اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

الأميرة نوف.. أعطت بصمت وغفت في قلب التاريخ

الأميرة نوف.. أعطت بصمت وغفت في قلب التاريخ

klyoum.com

د. عبدالرحمن الجديع *

حينما يرحل العظماء، لا تُغلق صفحاتهم بمجرد الغياب، بل تظل ذكراهم قناديل تضيء عتمة المسافات، وتبقى آثارهم الطيبة شاهدة على حياة أخلصت للعطاء.

ويأتي كتاب "نوف" بمثابة إشراقات وفاء، يسجل بمداد التقدير سيرة سيدة استثنائية، صاغت من حياتها ملحمة في البذل والخير.

الكتاب الذي قامت بتأليفه وإعداده الدكتورة نورة الشعلان، وإصدار دار كلمات للنشر والتوزيع بالرياض 2026، لم يكن مجرد سرد تقليدي لسيرة ذاتية، بل جاء في هيئة "إضاءات" كتبها محبون وعارفون، أشادوا بفضل الراحلة وسخائها الإنساني. هؤلاء الذين امتلكوا معرفة دقيقة بتفاصيل حياتها، قدموا شهادات صادقة تجاوزت الوصف السطحي إلى ملامسة جوهر النفس الكريمة. وقد استطاع الكتاب أن يبرز الأدوار المتعددة للأميرة نوف -رحمها الله- وجهودها الدؤوبة التي لم تتوقف عند حد، إذ كانت ركيزة أساسية في دعم قطاعات الثقافة والتعليم والصحة، مؤمنة بأنّ بناء الإنسان هو الاستثمار الأسمى والغاية الأقصى.

يتناول الكتاب مسيرة الراحلة من زاوية إنسانية فريدة، فهي لم تكن القريبة الحانية على أسرتها فحسب، بل كانت كأنها أمّ وأخت لكل محتاج، لقد كرّست جانباً كبيراً من حياتها للعمل الخيري ومحبة الناس، في صورة تعكس رؤيتها العميقة لمعنى الإنسان في رحلة الحياة، وكانت -رحمها الله- نبعاً متجدداً للعطاء، ومثالاً يحتذى في السخاء الذي لا يبتغي إلا وجه الخير.

ومن أجمل الصفات التي توقّف عندها الكتاب تلك التي يمكن تسميتها "العطاء بصمت"، فقد كانت تتلمس حاجات الآخرين وتستشعر آلام المحتاجين، بعيداً عن الضجيج، تمد يدها البيضاء بحب صادق وكرم نبيل، وكأنها تؤمن أنّ الخير كلما خفَت صوته، ازداد صدقه وأثره.

"العطاء بصمت" ليس مجرد فعل إحسان، بل حالة روحية عميقة يشعر فيها الإنسان بأنّ الخير قيمة قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى إعلان أو تصفيق. كان هذا النمط من العطاء أقرب إلى سلوك يومي في حياة الأميرة نوف -رحمها الله-، إذ كانت تتلمس حاجات الناس بحس إنساني مرهف، وتستشعر خفايا الألم في حياة المحتاجين، ثم تمتد يدها بالعون في هدوء يشبه همس الرحمة.

إنّ العطاء الذي يُؤدّى بصمت يحمل في داخله معنى الصفاء، فهو عطاء يتحرر من الرغبة في الظهور، ويتجه مباشرة إلى جوهر الإنسان المحتاج، وكأنّ صاحبه يؤمن بأنّ الخير كلما اقترب من السرّ، اقترب من الإخلاص، لهذا كان عطاؤها أشبه بشجرة وارفة، يستظل بها الناس من دون أن يلتفتوا كثيراً إلى جذورها العميقة في الأرض.

وفي هذا اللون من البذل بعدٌ أخلاقي وروحي رفيع، فالصمت هنا ليس غياباً للكلمة، بل حضور للنية الصادقة، إنه تعبير عن إيمان بأنّ ما يُصنع من خير في الخفاء، يبقى أكثر رسوخاً في وجدان الناس، وأكثر صفاءً في ميزان القيم الإنسانية، ولعل هذه الفلسفة الهادئة في العطاء هي ما جعل سيرة الراحلة أقرب إلى مدرسة أخلاقية عمادها أنّ أعظم الأعمال ليست تلك التي تُرى، بل تلك التي تُحسّ آثارها في حياة الآخرين.

ويكشف الكتاب، كذلك، عن جانب ثقافي لافت في شخصية الأميرة نوف؛ فقد عُرفت بسعة اطلاعها وانفتاحها على الثقافات المختلفة، ما أضفى على شخصيتها ثراءً معرفياً وحضوراً مميزاً. جمعت بين الهيبة التي تمنحها الذكاء ورجاحة الرأي، وبين تواضع يأسر القلوب، في مزيج نادر من القوة واللين، والرقة والعطف الإنساني.

إنّ ما أورده المشاركون في الكتاب عن اتساع ميادين أعمالها الخيرية يجعل القارئ يشعر بالفخر بمرور هذه السيدة العظيمة في حياة من حولها، فقد أغنت المجتمع السعودي بمواقف إنسانية لا تزال أصداؤها تتردد في فضاءات العمل الخيري.

وتبقى هذه الأعمال والمواقف روافد خير تفتخر بها بلادنا، فهي تعكس دوافع إنسانية نبيلة ورؤية واعية لاحتياجات المجتمع. ونحن اليوم، في زمن تتسارع فيه المتغيرات، أحوج ما نكون إلى استحضار مثل هذه النماذج المضيئة، كي يستمر تدفق الخير في شريان المجتمع.

لقد شكّل هذا الكتاب جسراً إنسانياً يربط بين ما قدمته هذه الشخصية الاستثنائية من عطاء، وبين الأجيال القادمة التي يمكنها أن تستلهم من سيرتها معاني البذل والوفاء. إنها دعوة صادقة لمواصلة مكارم الأخلاق، وتعزيز العمل الإنساني، إذ تبقى الأميرة نوف واحدة من المنارات المضيئة التي يهتدي بها الناس في حاضرهم ومستقبلهم.

ويشعر القارئ بأريحية خاصة وهو يتصفح صفحات هذا الكتاب القيّم، فهو ليس مجرد كلمات مطبوعة، بل نبض إنسانة كانت نوراً ومشعل أمل في حياة كثيرين.

يمثل هذا الكتاب وثيقة إنسانية بليغة، وسيرة رائعة لصاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبدالعزيز، ويعكس جهداً مقدراً ومحموداً تُشكر عليه الدكتورة نُورة الشملان، حيث جمعت بين دفتيه شهادات من عرفوا من قرب، الراحلة صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبدالعزيز، وغاصوا في تفاصيل حياتها المضيئة بالخير، ليرسموا صورة متكاملة لشخصية تركت بصمة لا تُمحى في ذاكرة المجتمع السعودي.

ولئن غابت الأميرة نوف بجسدها، فإنّ آثارها الطيبة ستظل حاضرة في ذاكرة المجتمع، تشهد بأنّ الخير هو الأثر الوحيد الذي لا يبهت مع الزمن؛ بل يظل ممتداً كالدعاء الصادق، وكالذكْر الحسن الذي يبقى ما بقيت الحياة.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة