اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

هل أصبح السلام خياراً أخطر من الحرب؟

هل أصبح السلام خياراً أخطر من الحرب؟

klyoum.com

بينة الملحم

التاريخ يخبرنا أن الصراعات التي تُترك دون حسم، لا تنتهي، بل تتجدد بأشكال أكثر تعقيداً.. والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل نريد المواجهة؟ بل: هل يمكننا تحمّل كلفة استمرار الوضع الحالي؟

في لحظات التوتر الكبرى التي تعيشها منطقتنا، لا يكون السؤال الحقيقي: هل نريد الحرب أم السلام؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: أيهما أكثر كلفة.. الحرب أم التهدئة؟ ذلك لأن التهدئة، في بعض السياقات، لم تعد تعني السلام، بل قد تتحول إلى مساحة مفتوحة للابتزاز السياسي والأمني.

الأرقام وحدها كفيلة بإعادة صياغة هذا السؤال بوضوح صادم. فعدد الهجمات التي أطلقتها إيران باتجاه دول الخليج بلغ نحو 1,180 صاروخاً و3,710 طائرات مسيّرة، مقابل 290 صاروخاً و495 مسيّرة فقط باتجاه إسرائيل. أي أن 85 % من الهجمات استهدفت الخليج، مقابل 15 % فقط لإسرائيل. هذه ليست مجرد أرقام عسكرية، بل مؤشرات استراتيجية تكشف أولويات الفعل الإيراني، وتوضح بجلاء من هو الخصم الفعلي ومن هو الخصم المُعلن.

وهنا يبدأ التناقض.

ففي الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني، يتم تصوير الصراع مع إسرائيل باعتباره جوهر المواجهة، بينما تكشف الوقائع أن دول الخليج هي الساحة الأكثر استهدافاً. هذا التباين بين الخطاب والممارسة ليس عبثياً، بل يعكس استراتيجية تقوم على إدارة الصراع لا حسمه، وعلى توظيف التوتر لا إنهائه.

أكثر الأسئلة تداولاً اليوم: كيف يمكن لنظام يتعرض بشكل متكرر لاغتيال قياداته العسكرية والأمنية، أن يستمر دون أن يسقط؟ كيف تُغتال رؤوس في هرم القيادة، بينما يبقى البناء قائماً؟

الإجابة لا تكمن فقط في بنية النظام الأمنية الصلبة، بل في طبيعة هذا النظام نفسه. فهو ليس نظاماً تقليدياً يعتمد على فرد أو مجموعة محدودة من القيادات، بل منظومة متشعبة تقوم على تعدد مراكز القوة وتوزيع الأدوار، بحيث لا يؤدي سقوط أحدها إلى انهيار الكل. كما أن هذا النظام يتغذى على الصراع، ويستمد جزءاً كبيراً من شرعيته الداخلية من فكرة “المواجهة المستمرة”، ما يجعل بقاء حالة التوتر ضرورة، لا عبئاً.

ومن هنا نفهم لماذا لا تؤدي الضربات النوعية، رغم أهميتها، إلى إسقاط النظام. لأنها تستهدف الأدوات، بينما تبقى الفكرة التي تحرك هذه الأدوات قائمة.

لكن السؤال الأهم ليس لماذا يستمر النظام، بل لماذا يُسمح له بالاستمرار في هذا النمط من السلوك؟

كلفة الحرب على إيران بلا شك مرتفعة. اقتصادياً، تعاني من عقوبات خانقة، وتواجه ضغوطاً داخلية متزايدة. عسكرياً، تتكبد خسائر مباشرة وغير مباشرة. سياسياً، تتعرض لعزلة دولية متصاعدة. ومع ذلك، تستمر في هذا النهج.

السبب بسيط ومعقد في آن واحد: لأن كلفة التراجع بالنسبة لها أعلى من كلفة التصعيد. فالتراجع يعني فقدان أدوات النفوذ الإقليمي، وانكشاف الداخل، وتآكل الخطاب الأيديولوجي الذي يقوم عليه النظام. أما التصعيد، رغم كلفته، فيمنحها القدرة على المناورة، ويفتح لها أبواب التفاوض، ويجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية.

لكن هذه المعادلة لا تنطبق على الجميع.

بالنسبة لدول الخليج، فإن كلفة التهدئة غير المشروطة قد تكون أعلى من كلفة المواجهة المحسوبة. لأن التهدئة، في ظل غياب ردع حقيقي، تتحول إلى دعوة مفتوحة لمزيد من الاستهداف. وعندما يصبح إطلاق الصواريخ والمسيّرات سلوكاً معتاداً لا يقابله ثمن واضح، فإن الرسالة التي تصل للطرف الآخر هي أن هذا السلوك ممكن الاستمرار.

وهنا تكمن خطورة المرحلة.

لسنا أمام حرب تقليدية بين دولتين، بل أمام نمط من الحروب غير المتكافئة، حيث يتم استخدام أدوات متعددة: عسكرية، إعلامية، سياسية، وحتى اقتصادية. وفي هذا النوع من الحروب، لا يكون الحسم دائماً في الميدان، بل في القدرة على فرض قواعد اشتباك جديدة.

التحدي الحقيقي اليوم هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمة إلى إعادة تعريفها. فالمعادلة لا يمكن أن تبقى على حالها، حيث يدفع طرف كلفة الاستهداف، بينما يحتفظ الطرف الآخر بحق التصعيد دون سقف واضح.

إن الحديث عن السلام لا يجب أن يكون مرادفاً للصمت، كما أن الدعوة إلى التهدئة لا تعني القبول بالأمر الواقع.. السلام الحقيقي لا يقوم على الخوف، بل على التوازن..

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم الكلفة ذاته. فالكلفة ليست فقط ما يُدفع في ساحة المعركة، بل ما يُدفع على المدى الطويل من استقرار الدول، وأمن الشعوب، وثقة المجتمعات في قدرتها على حماية نفسها.

عندما تصل الأمور إلى مرحلة تصبح فيها كلفة الحرب أقل من كلفة التهدئة، فإننا لا نكون أمام خيارين، بل أمام ضرورة.. ضرورة فرض معادلة جديدة تعيد تعريف الردع، وتضع حداً لحالة الاستنزاف المستمر.

فالتاريخ يخبرنا أن الصراعات التي تُترك دون حسم، لا تنتهي، بل تتجدد بأشكال أكثر تعقيداً. والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل نريد المواجهة؟ بل: هل يمكننا تحمّل كلفة استمرار الوضع الحالي؟

الإجابة، بكل وضوح، بدأت تتشكل!

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة