الحي ما يقابل الميت
klyoum.com
عادل الحربي
المملكة، ومعها دول الخليج، بذلت جهدها لمنع تحويل المنطقة إلى ساحة لحرب لم تشارك في قرارها، واختارت منذ البداية أن تبقي مسافة بينها وبين الخيار العسكري الأميركي. وقد لعبت التجارب القريبة دورها في تشكيل هذه القناعة؛ فغني عن التذكير أن حروبًا واعتداءات سابقة كشفت حدود الضمانات الأميركية، وأن دول الخليج دفعت أثمانًا باهظة لصراعات لم تبدأها ولم تؤيدها. لكن التصعيد الإيراني الأخير يفرض المطالبة بإنهاء مصادر التهديد، وهذا لا يعني تحولًا نحو الانخراط المباشر في الحرب، بقدر ما يعكس إدراكًا لخطورة بقاء التهديد قائمًا، وخطورة أن تغادر واشنطن المواجهة بأنصاف حلول أو بفراغ غير محسوب، كما فعلت في أفغانستان والعراق.
المسألة في جوهرها ليست عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية أيضًا. فدول الخليج اليوم لم تعد تنظر إلى الأمن بمعزل عن الاستقرار الداخلي ومشاريع التنمية الكبرى التي ترتبط بها مصالح شعوبها ومستقبل أجيالها، وأي انزلاق إلى حرب مفتوحة يعني تهديدًا مباشرًا لهذه المشاريع، وتعطيلًا لمسارات النمو، والدخول في دائرة استنزاف طويلة يصعب الخروج منها. ولهذا فإن القرار هنا يجب أن يُبنى على قراءة أوسع ترى أن حماية المكتسبات أهم من المغامرة بها، وأن الاستقرار خيار استراتيجي واعٍ في محيط لا تنقصه المزيد من الحروب.
الخيار السعودي، في النهاية، ليس هو الخيار الأميركي.. واشنطن تفكر بمنطق الحسم العسكري، بينما الرياض تتحرك بمنطق مختلف، أقرب إلى الصبر الاستراتيجي منه إلى الاندفاع العسكري.. لأنها تعي أن المعركة الحقيقية تكمن في مواصلة مسيرة النمو، وفي منع الحرب من أن تُفرض عليك بالشكل الذي يريده غيرك.
ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى تذكر حكمة الملك عبدالعزيز -غفر الله له- عندما دعاه خصمه لمبارزته، فكان رده: "الحي ما يقابل الميت".