في حكمة السؤال
klyoum.com
عوضة بن علي الدوسي
يظل السؤال في مجمله يشكل قيمة مركزية يمتد نحو معرفة الإنسان،وهو أي السؤال قيمة حضارية لا يقتصر على حدود المعرفة الضيقة ذاتها أو ما أشكل علينا فهمه فحسب على أهمية ذلك ومحوريته، بل يتجاوز إلى علاقة مثمرة ومعرفة الشخصيات من حالة السؤال أثناء الحوار، ولأن السؤال كذلك بمداه البعيد فهو أيضا مفتاح للمعرفة، ويتعدى بمساحة تتيح حالة من التواصل والبناء الإنساني النبيل، ويجمع بين التقارب والتواصل الاجتماعي الحميم، وبين اكتساب المعارف المختلفة، فالسؤال في حكمته محفز للحوار لمزيد من التفاعل الهادف إلى جانب ذلك يرشد إلى جادة الصواب، وبمؤداه الأخير يتجه نحو تصرّف صائب، فلا يخرج إلى مسار الخطأ، وبِهِ تقل العثرات وتزيد الإصابة الصحيحة، فلا غناء عن السؤال للمعرفة من جانب، ومن جانب أخر هو يمهد طريقا غايته الحوار والتقارب والاطمئنان، جَسّدَ ذلك صوت السماء»وما تلك بيمينك يا موسى» وما يماثله هذا الحوار في حياتنا اليومية رغم المعرفة المسبقة، هو صوتٌ أخر للاجتهاد الذي يوفر طريقا سالكا للوصول إلى الآخرين والى نفوسهم وقلوبهم والقرب منهم بلطف على سبيل التحاور المفضي إلى كسر حاجز الرتابة، واستتباعا لذلك الانفراج تزيد مساحة واسعة لعلاقات تتشابك بالود والمحبة، والسؤال لاشك يمنحنا المعرفة لنصل به إلى ذات الإنسان وجوهر حقيقته، والى قدراته، ومعرفة مواهبه وميوله ورغباته ومدى اتساع آفاقه على مبدأ «تكلم حتى أراك» ومن هنا تنطلق علاقة اجتماعية وثيقة تتبدى فيها قاعدة حكيمة «خاطبوا الناس على قدر عقولهم».
إذن، السؤال يشكل البعد الأخر في مسالة الحوار وامتداد العلاقات البينية وسيرورتها، وهو يعكس غنى الواقع وفقره، ويمنحنا اتجاه أعمق وشمول معرفي للوصول إلى جملة المعارف، وعند الشعراء والمحاطين بالمشاعر العاطفية أضحى ترجمانا لوجدانهم وأتجَهَ بهم السؤال إلى حاجة نفسية ملحة ليمنحهم الأمل ويولد فيض من المشاعر العاطفية، كحالة من الاحتماء الذي يلوذ بها الإنسان من إكراهات الحياة ومكابدة الأيام وجفاء الأحبة
إن أبرز من أعَاد صياغة السؤال بأوجه مختلفة ،هم من يرتقون إلى مصاف الحكماء والعارفين، ويأتي تأثيرهم أبلغ من غيرهم لأنهم جمعوا بين فطنة ورجاحة العقل وسعة الأفق، فالسؤال إتقان لفهم الحياة والوجود، ومن خلاله نصل إلى روح المعنى وجوهر الحقيقة، واليوم في ظل تغيرات كثيرة في كل أوجه الحياة نجد أن السؤال وبكل أسف يتغير عن مفهومه التقليدي حين كان صوتا مسموعا في خطاب واضح ويتقرر علينا فهمه من نبرة الصوت، وحدّته وعلى ضوء ذلك تكون الإجابة واتساع مداها وتبعاتها بين من يكتفي بالإجابة على السؤال، أو يتوسع ويطيل في إجابة تتجاوز معناها إلى غيرها، فالتعامل يكون مع طريقة السؤال من جهة مغزاه وأهدافه ،ومن جهة أخرى سعة أفق المجيب لإطالة الإجابة التي تفتح نوافذ لعلاقات ممتدة، وما اعنيه في التغير هو هذا التحول المعرفي الجديد الذي فرضته التقنية الحديثة، وبات من الضرورة أن يعاد لنا السؤال الصوتي المسموع بنبرته المتباينة، وطرق حواره التي كانت تشكل عملية ثقافة تعمق المعرفة وتُوصلك لحقيقة ثقافية واسعة، فالعلاقات التفاعلية اليوم في السؤال بين كل شرائح المجتمع التي فرضتها مسارات حياتنا اليومية عن طريق التقنية الحديثة والأجهزة الكفية هي برسومات تظهر للمتلقي حالة الرضاء أو السرور أو الاشمئزاز أو الغضب أو التأييد وعدمه دون أن ندرك حالة الشعور الحقيقي الذي يلمس من خلال علامات نبرة الصوت ومدى الانفعال والعوامل النفسية المصاحبة.
هي محاولة جادة ليس إلا لإعادة وضع السؤال في مستواه الحقيقي، الذي هو من سيفتح الطريق للكثير من المعارف، ولإجابات تضعنا في عين اليقين لفهم الواقع وواقع الإنسان.