اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

جامعة الفنون.. آمال وطموح

جامعة الفنون.. آمال وطموح

klyoum.com

محمد الحمزة

في لحظة تاريخية تعكس عمق التحول الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، يأتي الإعلان عن افتتاح "جامعة الرياض للفنون" كحجر زاوية في بناء "القوة الناعمة" السعودية. هذه الخطوة، التي ترعاها وزارة الثقافة، ليست مجرد إضافة لمبنى تعليمي جديد، بل هي إعلان عن ميلاد مؤسسة ستكون "المصنع" الذي يُشكّل الهوية الجمالية لمستقبلنا، ويحول الموهبة الفطرية من مجرد "هواية" إلى "صناعة" احترافية تُنافس عالمياً.

لسنوات طويلة، ظلّ المبدع السعودي يعتمد على اجتهاده الشخصي أو يسافر شرقاً وغرباً بحثاً عن صقل موهبته. اليوم، وبوجود جامعة متخصصة تحت مظلة وزارة الثقافة، نحن ننتقل إلى مرحلة "مأسسة الفنون".

الفنون اليوم ليست ترفاً، بل هي جزء أصيل مما يُعرف بـ"الاقتصاد البرتقالي" (Orange Economy) وهو الاقتصاد الذي يقوم على "الإبداع" كمدخل أساسي، ويعتبر أحد أسرع القطاعات نمواً في العالم اليوم، فالجامعة ستخلق جيلاً من السينمائيين، الموسيقيين، المصممين، والفنانين البصريين القادرين على إدارة مشاريع كبرى، مما يدعم الناتج المحلي الإجمالي ويخلق فرص عمل نوعية.

والفن هو الوعاء الذي يحفظ تراثنا، حيث ستعمل الجامعة على قراءة موروثنا (من العرضة إلى القط العسيري، ومن السدو إلى فنون الحجاز) وتقديمها بقالب عصري يجمع بين الأصالة والحداثة، مما يضمن وصول صوتنا الثقافي للعالم بلغة بصرية وسمعية راقية. ووجود صرح أكاديمي للفنون في قلب العاصمة الرياض سيغير نظرة المجتمع للفن، ليصبح جزءاً من الحياة اليومية، وتتحول الجامعة إلى منارة تشع بجمالياتها على الأحياء والميادين من خلال الشراكات المجتمعية.

عندما ننظر إلى تجارب عالمية، ندرك حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه جامعة الرياض للفنون، فمدرسة "جوليارد" (Juilliard) في نيويورك لم تخرج فنانين فحسب، بل صنعت معايير عالمية للأداء المسرحي والموسيقي، وأصبحت رمزاً للتفوق الفني الذي يجذب المواهب من كل أقطار الأرض، مما جعل نيويورك عاصمة الفنون الأدائية. الكلية الملكية للفنون (RCA) في لندن تُعد نموذجاً في دمج الفن بالتكنولوجيا والابتكار، حيث تخرج منها مصممون غيروا وجه الصناعة في العالم، وأثبتوا أن الفن هو المحرك الخفي خلف الابتكارات التقنية الكبرى. جامعة طوكيو للفنون (Geidai) لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على التراث الياباني التقليدي مع دفعه نحو العالمية، مما جعل "الأنمي" والفنون البصرية اليابانية قوة اقتصادية وثقافية لا تُقهر.

ما ننتظره من جامعة الرياض للفنون يتجاوز قاعات المحاضرات؛ نحن نأمل أن تكون "حاضنة ابتكار"، حيث ننتظر توقيع اتفاقيات مع أعرق الأكاديميات العالمية لتبادل الخبرات، ليصبح الطالب السعودي مطلعاً على أحدث التقنيات الفنية عالمياً. وأن تضم الجامعة معامل للذكاء الاصطناعي في الفنون، ومختبرات للواقع المعزز، لتواكب الثورة الرقمية في عالم الإبداع. وأن يكون هناك جسر مباشر بين الخريجين وبين الهيئات الثقافية (هيئة الأفلام، هيئة الموسيقى، هيئة الفنون البصرية)، لضمان انخراطهم الفوري في المشاريع الضخمة كـ"القدية" و"بوابة الدرعية" و"مشروع المربع الجديد".

إن افتتاح جامعة الرياض للفنون هو تجسيد لرؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي آمن أن الإنسان السعودي هو ثروتنا الحقيقية. نحن أمام فجر جديد، حيث ستتحول الرياض من مركز سياسي واقتصادي ثقيل، إلى عاصمة للإبداع والجمال. جامعة الرياض للفنون هي استثمار في "الإنسان" قبل كل شيء. وهي اعتراف أن جمالنا الداخلي وتراثنا العميق يستحقان دراسة وتدريساً وتصديراً. الرياض اليوم لا تبني الأبراج فحسب، بل تبني الإنسان الذي سيمسك الريشة ليكتب قصة المملكة الجديدة للعالم أجمع.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة