لا تهدر الجزء الجامح فيك
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
حساب المواطن يزف خبرا سارا للمستفيدين بشأن الدعم المخصص لشهر أكتوبرعبدالرحمن السلطان
قرأت مؤخرًا عبارة توقفت عندها طويلًا: "لا تهدر توحّشك؛ فهو ثمين وضروري"! للوهلة الأولى تبدو كلمة التوحش قاسية، وربما تحمل معنى الفوضى أو العدوانية أو الخروج على المألوف، لكنها هنا تعني شيئًا مختلفًا تمامًا؛ إنها ذلك الجزء الفطري في الإنسان الذي لم تستطع الحياة أن تروّضه بالكامل، الجزء الذي مازال يحب المغامرة، ويطرح الأسئلة، ويجرب، ويخطئ.
أمضى البريطاني "جاي غريفيث" سنوات يتنقل بين بقاع العالم، باحثًا عن "البرية"؛ ليس في الغابات والجبال والأنهار، بل في داخل الإنسان نفسه، وتناول ذلك في كتابه "البرية: رحلة أساسية"، الذي وجدت فيه أفكارًا تستحق التأمل!
نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في عملية "ترويض" مستمرة، ندخل المدرسة، فنتعلم متى نتحدث ومتى نصمت، ثم نتعلم في الجامعة كيف نفكر ضمن تخصص محدد، ثم نُدجن بالأنظمة والإجراءات والتسلسل الإداري حين نتوظف، دون أن نغفل الالتزامات الاجتماعية والمهنية والعائلية، حتى يصبح لكل شيء تقريبًا موعدٌ ونظام وتوقع مسبق.
بالتأكيد هذا التنظيم أساسي لبناء واستقرار المجتمع، لكن التحدي حينما يمتد التنظيم من حياتنا الخارجية إلى أرواحنا الداخلية، نمسي منظمين إلى درجة أننا نخشى المفاجأة! وحذرين إلى درجة التوقف عن التجربة! وبالطبع ناضجين إلى درجة أننا ننسى الطفل الذي كان في داخلنا!
الطفل يستطيع أن يقضي نصف ساعة يتأمل حشرة صغيرة تمشي على الأرض، أو يسأل عشرة أسئلة متتالية عن شيء نراه نحن عاديًا، ليس لأنه يريد أن يعرف فقط، بل لأنه لم يفقد بعد قدرته على الدهشة، ومع تقدمنا في العمر، نعرف أشياء أكثر، لكننا -ويا للمفارقة - نندهش أقل! وهنا ربما تكمن إحدى خسائر النضج التي لا نتحدث عنها أننا لا نفقد طفولتنا فقط، بل نفقد تدريجيًا شيئًا من فضولنا، ولهذا أعتقد أن الإنسان يحتاج من حين إلى آخر إلى أن يستعيد شيئًا من توحشه!
حتى في المسار المهني، نحتاج إلى شيء من هذا التوحش، كثيرون يرسمون حياتهم كما لو كانت خطًا مستقيمًا، شهادة، ثم وظيفة في التخصص نفسه، ثم ترقية، ثم منصب أعلى، وهكذا حتى التقاعد، لكن أجمل المسارات المهنية ليست دائمًا مستقيمة، والأمر نفسه يحدث في الإبداع، فالكاتب الذي يكتب دائمًا بالطريقة نفسها سيتحول يومًا إلى نسخة من نفسه.
ليس تمردًا على القواعد لمجرد كسرها، وإنما لماذا نفعل الأشياء بهذه الطريقة؟ وهل توجد طريقة أخرى؟ هنا يصبح الحفاظ على ذلك الجزء الجامح فينا ضرورة، وليس ترفًا، أن تحتفظ بذوقك حتى لو لم يكن رائجًا، وبفضولك حتى لو لم يكن مفيدًا، وبأصدقاء لا يشبهونك، وبرغبة في السفر لمكان لا يتصدر قوائم السياح، وبكتاب تقرؤه لأن عنوانه أثارك.
لا أعتقد أن المطلوب أن نهرب من المدن إلى الغابات، ولا أن نترك أعمالنا ونعيش حياة فوضوية، الفكرة أبسط من ذلك: أن نبني حياتنا دون أن نراكم حول أرواحنا جدارًا، أن نكبر دون أن نشيخ من الداخل، أن ننضج دون أن نفقد دهشتنا.