اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

إسعاف المحزون

إسعاف المحزون

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

من إسعاف المحزون المبادرة ببشارته إذا تبيّن للمبشّر اندفاع السوء عن المحزون، وتحقّق ‏ما يرجوه، وانحسامُ مخاوفه، فهذه منّة جليلة لا تقدر بثمن، وكذلك تهنئة من أذهب الله عنه ‏الحزن، وعافاه من بلوى أصابته، فتهنئته تُعينه على تخطّي آثار الألم ونسيانه، وتجلب له ‏الفرح والسعادة، وتُعينه على استعادة معنويّاته..

يتعرض الإنسانُ في حياته إلى ما كُتِبَ عليه من الجروح والصَّدمات النفسية، ومن هذه ‏الجروح ما هو أكثر إيلاماً من جراحاتِ البدنِ، وهذه الجروح ‏بحاجةٍ إلى تضميدٍ وعلاجٍ وإسعافٍ بحسب حالاتها، وبقدرِ ما قدِّم للإنسان من هذه ‏المساعدات يتمكن -بفضل الله تعالى- من التعافي منها، وكلّما أهمله من حوله وتجاهلوا ‏معالجته تفاقمت عليه الآلام، وطالت مصاحبتها له؛ ولهذا كان من حق المتألّم نفسيّاً أن ‏يقابَل بما يخفف عليه الصدمة، ومن عناية الشرع الحنيفِ بمصالح الناس ما تضمنه من ‏أساليب جبر الخواطر المنكسرة، وما تزخر به نصوص الوحيين من الحضّ على معالجة ‏جراحات النفوس؛ ولهذا كانت الكلمة الطيبة ذاتَ قيمةٍ بالغةٍ، كما يدلُّ عليه حديث أبي ‏هريرةَ رضي الله تعالى عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»، ‏متفقٌ عليه، وهذه القيمةُ ملازمةٌ للكلمةِ الطيبةِ في أي مقامٍ قيلت، وتزداد أهميتها وقيمتها ‏إذا قيلت علاجاً لصدمةٍ نفسيّةٍ وإسعافاً لمن أُصيب بما يؤلم قلبَه، فينبغي للمسلم أن يكون ‏دائمَ الانتباه لمن حولَه، فإذا علم أنَّ أحد إخوانِه قد واجه ما يكدِّرُ خاطره، بادر بإسماعه ما ‏يُهوّن عليه انزعاجه، فهذا موقفٌ نبيلٌ لا يسوغُ التفريط فيه، ولي مع إسعاف المحزون ‏وقفات:‏

الأولى: جبر الخواطر حقٌّ للمكروب والمحزون على إخوانه ممن حولَه، فإذا كان المحزون ‏مريضاً فمن حقّه جبر خاطره بالعيادة وبالكلمة الطيبة، أما العيادة فلها وقعٌ حسنٌ على ‏نفسه؛ ولهذا ينال من فعلها أجراً جزيلاً، فعَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ‏عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ»، قِيلَ يَا ‏رَسُولَ اللهِ وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا»، أخرجه مسلمٌ، وأما الكلمةُ الطيبة فمن حقه أن ‏يُسمعه إخوانه ما يُثلج صدره من الأماني الطيبة، والكلام الحسن، مما يرفع معنويّاته، ويقوّي ‏في قلبه رجاءَ الخير والسّلامةِ، مع التذكير بأنَّ الذي ألمَّ به يُرجى -بإذن الله تعالى- أنّه كفارةٌ ‏لذنوبِه، ففي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: «لاَ ‏بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، أخرجه البخاري، وإن كانَ المحزون قد فقدَ بعض أحبابه، فمن ‏المشروع تعزيته وإسماعه ما يعينه على الصبر، فيذكَّر بأن فقيده يُرجى أنه انتقل إلى رحمة الله ‏تعالى، وأنَّ الله تعالى أرحم بعبده الميت من صفيّه الحيِّ، وأفضل للحيِّ من صفيّه الميت، كما ‏يُذكّره بالأجر العظيم الذي يناله من فقد حبيباً وصبر واحتسب؛ ولأهمية هذا العمل نُدب ‏إليه المسلمون، ووُعِدَ من قام به بالثوابِ الجزيل، فعن عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ رضي الله تعالى عنه عَنِ ‏النَّبِيِّ صَلى الله عَليهِ وسَلمَ أَنَّهُ قَالَ: (مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلاَّ كَسَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ ‏مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَة)، أخرجه ابن ماجه، وحسنه الألبانيُّ.‏

الثانية: من إسعاف المحزونِ المبادرة ببشارتِه إذا تبيّن للمبشّرِ اندفاعُ السوء عن المحزونِ، وتحقُّقُ ‏ما يرجوه، وانحسامُ مخاوفه، فهذه منّةٌ جليلةٌ لا تُقدّرُ بثمنٍ، وكذلك تهنئة من أذهب الله عنه ‏الحزن، وعافاه من بلوى أصابته، فتهنئته تُعينه على تخطّي آثار الألم ونسيانه، وتجلب له من ‏الفرح والسعادة ما هو بحاجةٍ إليه، وتُعينه على استعادة معنويّاته، وقد اجتمع الإسعاف ‏بالبشرى وبالتهنئة في قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه حين تابَ الله عليه، بعد تخلُّفه عن ‏جيش العسرة، فقد قال في الحديث المتفقِ عليه: (فَبَيْنَما أَنَا جَالِسٌ عَلَى الحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، ‏قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى عَلَى ‏جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ ‏جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الفَجْرِ، ‏فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ ‏مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ ‏يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا، بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ ‏فَلَبِسْتُهُمَا)، ثم ذكر أنَّ طلحةَ لقيَه وصافحه وهنّأه، ثمَّ قال: (وَلاَ أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ). ‏

الثالثة: كما أنّه من المشروع والمستحسنِ عرفاً إسعاف المحزون بما يُزيحُ عنه الحزنَ، ‏فبالمقابل يُستهجنُ شرعاً وعرفاً أن يُتلقّى المحزون بالإساءةِ، فما هذا إلا بمثابة التطاول على ‏الجريح بالضرب والجلد، وعلى هذا فليست أوقات الآلام فرصةً للتشفّي ولا لتصفية ‏حساباتٍ شخصيّةٍ، بل المروءة تُوجب على الإنسانِ أن يعرف متى يُحاسب أخاه، وقد عبَّر ‏عن هذا شعراء العرب، فهذا أحدهم كانت بينه وبين ابن عمه خصومةٌ، ثمّ سمع أنّ مكروهاً ‏حلَّ به، فقال يتألّم له:‏

لمّا أتانِي عن عُيَينةَ أنّه

أمْسَى عليه تَظَاهَرُ الأَقْيادُ

نَخَلَتْ له نَفْسي النَّصِيحةَ إنّه

عندَ الشدائدِ تَذْهَبُ الأَحْقادُ.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة