عمارة الحرب
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
الإمارات: حريق ثالث نتيجة سقوط شظايا باعتراض ناجح لصاروخ باليستيد. مشاري النعيم
على أرض الواقع، يصعب أن أقول إن هناك عمارة للحرب بمعنى العمارة التقليدية، لكن يمكن أن نتحدث عن العمارة هنا كنوع من التخطيط الهيكلي الاستراتيجي الذي يعيد التفكير في المدينة لمواجهة الأخطار المستقبلية..
صادف مراجعتي لبحث دكتوراه أشرف عليه في كلية العمارة بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، ظروف الحرب الدائرة هذه الأيام، والبحث يركز أساسا على "المدينة الأيوبية" التي توصف بأنها "عسكرية متقشفة" نظرا للظروف الصعبة التي نشأت فيها، فقد كانت قبل مؤسسها صلاح الدين الأيوبي، أي منذ الفترة الزنكية، في مواجهة الحملات الصليبية وكان من الضروري أن تتمترس تلك المدن خلف قلاع وحصون صلبة وذات مواقع صعبة المنال.
كنت ومازلت معجبا فالفكر الأيوبي المعماري، رغم قلة آثاره المعمارية، كونه كان فكرا يتعامل مع المرحلة الحرجة التي كان يعيشها بأسلوب واقعي، فلم تغرِه الشواهد المعمارية التي تركها الفاطميون ومن سبقهم، بل كان جُلّ اهتمامهم كان منصبا على بناء مدن تستطيع أن تحمي نفسها وتدافع عمن يسكنها. ومع ذلك، وحسب طالبة الدكتوراه سلام ششيكلي لم يتناس الأيوبيون مبادئ إدارة المدينة وأمنها من الداخل كما هو الحاصل في الخارج وركزوا على تيسير الأمور الاقتصادية واعتنوا بالجوانب الاجتماعية وعززوا من الحضور الديني في فترة كانت فيها الفتن الطائفية تحيط بهم من كل جهة.
أكثر ما لفت نظري في تلك المدن هو التركيز على التعليم والصحة رغم ظروف الحرب القاهرة والحملات الصليبية المتتالية حتى بعد استعادة القدس في معركة حطين، هذا ما جعل أهم المعالم المعمارية الايوبية تتركز في المدارس والبيمارستان، إذ يبدو أن منهج "بناء الانسان" أولا هو منهج استراتيجي تبناه الأيوبيون هدفوا من خلاله إلى إعداد انسان ناضج لمواجهة أخطار المستقبل في منطقة تكتظ بالحروب.
لقد جعلتني تلك القراءة أفكر في سؤال مهم هو: هل هناك ما يمكن أن نسميه "عمارة الحرب"؟ وهل هذه العمارة هي عمارة مادية أم يجب أن تكون فكرية وتخطيطا استراتيجيا؟ وهل الحرب تعني أخطار الخارج أم أنها تعني كذلك أخطار الداخل؟
في بداية الألفية كتبت مقالا بعنوان "المدينة والحرب" واعتقد أنه كان تعليقا على سقوط بغداد عام 2003م لكن من الواضح أن المنطقة لا تهدأ فكتبت مقالا آخر بعنوان "يبنون مدنهم ويهدمون مدننا" (19 أغسطس 2006م) وكذلك "المدينة في زمن الحرب" (5 مارس 2022م) وكلها في صحيفة الرياض، لكن المقال الأخير عن حرب أوكرانيا وكيف أن صمود المدن أمام الغزاة يرفع من الحالة المعنوية لسكانها والمدافعين عنها. لكن ما هي الأسباب التي تعزز من صمود المدينة؟ الأيوبيون حاولوا أن يوازنوا بين الخارج والدخل، وكانت عمارتهم العسكرية مادية ومعنوية مبنية على تخطيط واضح يجمع بين قوة المدينة العمرانية من خلال تحصيناتها وقوة سكانها المعنوية التي جعلتهم على ثقة بأن مدنهم قادرة على مواجهة الغزاة. ولو حاولنا إجراء مقارنة سريعة بين الفكر العمراني الروماني الهجومي وبين الفكر الايوبي الدفاعي سوف نرى أن الرومان لم يكونوا متقشفين، بل طوروا نموذجا للمدينة مبنيا على الموازنة بين القوة والترفيه ونقلوه معهم عبر امتداد إمبراطوريتهم الشاسعة. إذا لا يمكن أن نتجاهل العلاقة الوثيقة بين العمارة و"ثقافة الحرب"، إذا يبدو أنها ستمتد طالما أن البشر يتصارعون على وجه هذه الأرض.
لكن ما كان يناسب الرومان والأيوبيين لا يصلح لمدننا المعاصرة، فنحن نواجه حربا بلا جنود تسيرها التقنية ووسائل الدمار تصل إلى المدن دون أن يكون هناك غزاة على أبواب المدينة، وهذا يتطلب تفكيرا مختلفا. لكن هناك أمر مهم فكّر فيه الأيوبيون وهو بناء الإنسان في الداخل وتأهيله لمواجهة المخاطر، وفي اعتقادي أن الحرب التي نخوضها هذه الأيام بحاجة إلى إعداد بشري، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل من الناحية التقنية والمعرفية، فمن سينتصر هو الذي يملك أدوات المعرفة التي تمكّنه من صناعة السلاح الذي يحمي به نفسه ويوقف عدوه عند حده. ربما هذا يتطابق مع فكرة الإعداد التي حثنا عليها القرآن كما أنها تتيح لنا تطبيق قاعدة "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" (البقرة: 194). يجب أن نعي أننا نعيش عصر المدن المكشوفة، فلا حصانة لمدينة دون تقنية عسكرية فائقة التطور، ويفترض أن تكون هذه التقنية محلية، أي أن فكرة "التحصين" والتمترس خلف الأسوار يقابلها اليوم تحصين تقني وشبكة من وسائل الدفاع التي تحمي المدن وسكانها وهو ما شاهدناه في مدن الخليج كـافـــــــة التي تخوض تجربة صعبة لكنها ظلت قادرة على حمايـــة مكتسباتها.
على أرض الواقع، يصعب أن أقول إن هناك عمارة للحرب بمعني العمارة التقليدية، لكن يمكن أن نتحدث عن العمارة هنا كنوع من التخطيط الهيكلي الاستراتيجي الذي يعيد التفكير في المدينة لمواجهة الأخطار المستقبلية. في السابق كانت المدن العربية عبارة عن أزقة متشابكة تشكل متاهات للغرباء فحتى لو اقتحموا المدينة يصعب عليهم الوصول إلى عمقها، لكن اليوم المدن مكشوفة عمرانيا، وهذا يتطلب تفكيرا خارج الصندوق لصناعة "المتاهة" التي ليس بالضرورة أن تكون دروبا متعرجة ومتشابكة. يجب أن تكون متاهة تقنية ذكية تحذيرية تجعل من المدينة قادرة على التجزّء والتكامل. إنها مسألة مرتبطة بإدارة المدينة والفكر الذي يحركها. ربما آن الأوان أن نفكر بطريقة مختلفة في الكيفية التي نبني بها المدن، فما يستغرق عقودا من البناء يمكن أن يختفي في لحظات، وحماية المكتسبات لم تعد تحتاج إلى عضلات وحصون، بل إلى عقول تُفكّر وتبتكر وتقنية تتطور محليا، فما حك جلدك مثل ظفرك.