وكبــرتِ يـا ابنـتــــي.!
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
الثوم المخمر بالعسل يثير مخاوف شلل التنفسد. عبدالرؤوف الخوفي
يظن الأب أنّه يكبر حين تتثاقل سنوات العمر على كاهله، والحقيقة أنّه يكبر حينما يكتشف أن طفلته التي كانت تنظر إليه وكأنه يملك مفاتيح الدنيا قد أصبح في نظرها إنسانًا يُمكن أن يُخطئ، ويُمكن أن يفوته شيء من تسارع هذا العالم.
قالت لي ابنتي ذات مساء، ونحن نتبادل أطراف الحديث في أمسية أسرية: “بابا… تظنّ بأنك تعرف كلَّ شيء، لكن العالم قد تغيّر، ولم يعد كسابق عهدك به”.
لم تكن جملة جارحة، ولم تكن احتجاجًا بقدر ما كانت إعلانًا بسيطًا عن زمن قد انقضى وآخر جديد بدأ يتشكّل. فليس لأحدٍ أن يأخذ زمنه وزمن غيره.. ابتسمتُ لها لكنّ شيئًا في داخلي عاد بي سنواتٍ طويلةً إلى الوراء.
عادت بي الذاكرة سريعًا إلى حيث هي طفلة صغيرة، إذ لا يكاد يمر يوم دون أن تحمل براءتُها إليَّ سؤالًا. كانت تسأل عن زخات المطر، وعن سر تلألؤ النجوم، وعن سبب غياب الطيور في الظلام، وعن سبب زرقة لون البحر، وعمّا إذا كانت الأسماك تعطش في البحر، وتسأل عن الشجر والمدر والوجود كلّ الوجود، وعن الأشياء التي يعجز دونها حتى الفلاسفة.. لقد كانت طفلة سؤولة بحق.. كانت عندما تختلف مع صديقاتِ طفولتها في معلومة ما تأتي إليَّ مُطمئنة واثقة وكأنها تعرف مُسبقًا أن الحقيقة تسكن عند أبيها؛ حيث أقوى رجلٍ في العالم.
كنتُ يومها فانوسها السحري وبلّورتها اليقينية التي تكشف لها عن أسرار الكون..
أمّا اليوم فقد كان جِدالكِ يا ابنتي يُذكرني بجدائلك القصيرة، ونِِقاشكِ يُذكرني بنقش الحناء في أناملك الصغيرة .. لم أكن أعلم أن تلك الثقة المُطلَقة خابتْ في أن تكون وسامًا أبديًّا قبل أن أعرف للتو أنّها مِنحة مؤقتة تُهديها الطفولةُ للآباء، ثم تُسترَد بهدوء حين تبدأ رحلة الاستقلال.
كبرتِ…
وأصبح للعالم أبوابٌ أخرى تدخل منها المعرفة. صار الهاتف الذكي نافذة، وصارت الشبكات مكتباتٍ متنقلة، وأصبحت المعلومة تصل إليكِ قبل أن ألتقط أنفاسي. لم تعد تحتاج إلى أن تسألني عن كلّْ شاردة وواردة، بل ربما أصبحتْ هي التي تُصحح لي بعض ما أقول.
ويا لَلمفارقة.. كنتُ أشعر بالفخر كلما اكتشفتُ أنها أصبحت أوسع اطلاعًا، لكنني في اللحظة نفسها كنتُ أشعر بوخزة خفيّة، وكأنّ الزمن يهمس لي: لقد انتهى ذلك الفصل الجميل الذي كنتَ فيه بطل الحكاية الأوحد.
ما أقسى أن ينتصر الأب فيما ربّى، ثم يحزن لأن انتصاره يعني أن طفلته لم تعد طفلة.
نحن الآباءَ نُعلِّم أولادنا أن يُفكروا، ثم نُفاجأ بهم يوم يناقشوننا.. إننا نغرس فيهم الثقة ثم نستغرب حين يثقون بعقولهم.. إنّنا ندفعهم إلى أن يستقلوا ثم يُوجعنا أنهم استقلوا فعلًا.
ولعلّه التناقض النبيل في الأبوة!
لم أحزن لأن ابنتي قالت إنّ العالم تغيّر؛ فالعالم يتغيّر فعلاً، وكلُّ جيل يحمل أدواته ولغته وأسئلته. وإنما حزنتُ لأنّ المقولة حملت معها شهادة غير مكتوبة بأنّ تلك الصغيرة التي كانت تُمسك بإصبعي لتسألني عن كلِّ شيء أصبحت تُمسك بوعيها لتفتِّش عن أجوبتها بنفسها.
ورغم ذلك…
سيبقى في داخلي يقينٌ لا تُغيّره الأعوام، وهو أنّ الأب لا يتمنى أن يبقى أولادُه صغارًا ليظلوا بحاجةٍ إليه، بل يتمنى فقط أن يحتفظ في قلوبهم بذلك الركن الركين الذي كان يسكنه قديمًا حين كانت كلمة «بابا» تعني الطمأنينة قبل أن تعني المعرفة.
لستُ حزينًا لأنكِ كبرتِ يا صغيرتي..
أنا حزين لأنّ الزمن غدا سريعًا إلى هذا الحد.
حزين لأنَّ الأسئلة التي كانت تبدأ بـ»بابا» أضحت تبدأ بـ»قرأتُ…» أو «اكتشفتُ…» أو «يقولون…». وحزين لأنني أدركتُ مُتأخرًا أن أجمل سنوات الأبوة ليست حين ينجحُ الأبُ في تعليم أولاده، بل حين يظن الأولادُ أنّ آباءهم يعرفون كلَّ شيء.
واليوم.. وأنا أراكِ تمضين بثقة نحو عالمكِ فلا أتمنى أن تعودي تلك الطفلة التي كنتِ عليها، فلكلِّ عمر جماله، وإنما أتمنى شيئًا واحدًا فقط.. فإذا ما ضاقت بك السُّبل يومًا، أو تشابهت عليك الأصوات مرّةً، أو أرهقكِ يقينُ العالم الجديد مُستقبلا.. فتذكري أنّ ثمّة رجلاً وإن لم يعد يعرف كلَّ شيءٍ ما زال يعرف كيف يُحبكِ أكثر من أي وقتٍ مضى.