اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

وطن يصنع المستقبل

وطن يصنع المستقبل

klyoum.com

د. ياسر بن عبد الرحمن حافظ *

ليس اليوم الوطني في المملكة مناسبة تعبر في الذاكرة ثم تمضي، بل هو موعد يتجدد فيه الوعي بمعنى الوطن، وبما صنعته الدولة عبر عقود من البناء المتصل، وبما تحمله المرحلة الراهنة من مسؤولية تجاه المستقبل.

وفي هذا اليوم الوطني، تبدو المملكة أمام أبنائها وهي تجمع بين رسوخ التاريخ وحيوية التحول، وتقدم نموذجًا لوطن يحافظ على ثوابته، ويتقدم في الوقت نفسه بثقة نحو آفاق أوسع.

وبهذه المناسبة الوطنية الغالية، أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله تعالى-، وإلى الأسرة المالكة الكريمة، وإلى الشعب السعودي الكريم، سائلًا الله أن يحفظ وطننا، وأن يديم عليه عزه وأمنه واستقراره وازدهاره، وأن يبارك في مسيرته ومستقبله.

ويأتي اليوم الوطني هذا العام في وقت تتقدم فيه المملكة على أكثر من مسار في آن واحد. فالتحول الاقتصادي يمضي نحو مزيد من التنوع، والاستثمار في الإنسان يتسع، والبنية الرقمية تتطور، والبحث والابتكار يحظيان بمكانة متقدمة، فيما تتواصل جهود رفع جودة الحياة وتعزيز كفاءة المؤسسات وتطوير البيئة التنظيمية. وقد عكس الخطاب الملكي الكريم في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة التاسعة لمجلس الشورى هذه الرؤية الشاملة، حين تناول مسارات التنمية والاقتصاد والتقنية ومكانة المملكة الدولية، في صورة تؤكد أن البناء الوطني لم يعد محصورًا في قطاع بعينه، بل أصبح عملًا مترابطًا تتكامل فيه الأدوار والقدرات.

ولعل من أبرز ما يميز المرحلة الحالية أن المنجز الوطني لم يعد يقاس بحجمه الظاهر فقط، بل بما يضيفه إلى قدرة المملكة على الاستمرار والتقدم. فالاستثمار في العلم ليس حدثًا منفصلًا عن الاقتصاد، والتحول الرقمي ليس مجرد تحديث تقني، وتطوير الأنظمة ليس عملًا إجرائيًا محدودًا، بل جميعها حلقات في بناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على التعامل مع المتغيرات. ومن هنا تتشكل قيمة المنجز حين يتحول إلى معرفة متراكمة وخبرة وطنية وفرص أوسع وقدرة مؤسسية تستمر بعد اكتمال المشاريع نفسها.

كما أن ما تحقق خلال عام 2026 في مجالات متعددة يعكس اتساع قاعدة العمل الوطني. فالحضور العلمي السعودي يواصل تقدمه، والاهتمام بالمعرفة والتقنيات الحديثة يزداد، والمسارات الاقتصادية الجديدة تتوسع، والقطاعات الثقافية والسياحية واللوجستية والصناعية تكتسب أدوارًا أكبر في تشكيل صورة الاقتصاد والمجتمع. وفي الوقت نفسه، تستمر مؤسسات الدولة في تطوير أنظمتها وأدواتها الرقابية والتنظيمية بما يواكب هذا التحول ويحفظ توازنه واستدامته. وتنسجم هذه الصورة مع الاتجاه العام لرؤية السعودية 2030 في بناء اقتصاد متنوع ومجتمع حيوي ووطن طموح.

واليوم الوطني في جوهره ليس احتفاءً بالماضي وحده، بل اختبار دائم لقدرتنا على صيانة ما تحقق وتطويره وإضافة ما هو أفضل إليه، فالأوطان الكبرى لا تكتفي بتسجيل منجزاتها، بل تبني فوقها، وتراجع أدواتها، وتستثمر في أبنائها، وتترك لكل جيل مساحة أوسع ليشارك في صناعة المرحلة التالية.

ومن هذه الزاوية، يصبح الانتماء مسؤولية عملية في أن يحسن كل فرد موقعه، وأن تتقدم كل مؤسسة في أدائها، وأن تبقى المصلحة العامة هي الميزان الذي تقاس به قيمة الجهد، فالوطن يُبنى بالتقاء الإرادة مع العمل، والطموح مع الكفاءة، والاعتزاز بالهوية مع الاستعداد الدائم للتجدد، مع الإسراع والإتقان في أداء العمل.

ولأن الذكرى الوطنية تجمع الذاكرة والطموح، فإنها تمتد إلى المستقبل أيضًا، لأنها تعمق وتعزز الطموح والمعرفة، وترفع كفاءة الأداء، وتحمي المكتسبات، وتوسع مساحة الابتكار. وكل تقدم يتحقق اليوم يصبح قاعدة لما يأتي بعده، وكل قدرة وطنية تُبنى الآن تضيف للوطن مجالًا أوسع في الغد، بإذن الله.

وفي يومنا الوطني، يحق لنا أن نفخر بما بلغته المملكة، وبما هو قادم من إنجازات مستقبلية بإذن الله تعالى. فالمملكة التي بنت وحدتها على أساس راسخ، تبني اليوم قدرتها على المنافسة وصناعة الفرص وتوسيع مجالات المعرفة والتأثير. وهذه هي الصورة التي تستحق أن تبقى في الوجدان؛ وطن يعرف قيمة تاريخه، ويعرف كذلك أن أجمل ما في التاريخ هو ما يفتح الطريق لما بعده، ويبقى الوطن شامخًا بقيادته الرشيدة -حفظها الله تعالى-، معتزًا بأبنائه الكرام، واثقًا بقدرتهم على مواصلة البناء وصناعة مستقبل يليق بمكانته.

عضو مجلس الشورى*

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com