اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

المسافة صفر

المسافة صفر

klyoum.com

د. نجوى الكحلوت

المسافة بين العبد وربه ليست مسافة طريق، ولا مسافة زمان، ولا حتى مسافة شعور؛ إنها -في حقيقتها القرآنية- مسافة صفر.

حين يقرر النص القرآني هذا القرب، فإنه يقدمه بصيغة علميّة دقيقة تبدأ بالفعل الخَلقي: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ) ق:16، فالخالق -سبحانه- أعلم بالمخلوق، وهذه قاعدة معرفية راسخة في المنطق والعلوم معًا؛ إذ لا يمكن أن يكون المصنوع أظهر من صانعه، ولا النفس أخفى عن خالقها من صاحبها.

ثم يرتقي السياق إلى مستوى أعمق: (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) ق:16، وهنا تتجاوز الآية ظاهر السلوك إلى خفاء الباطن، من الفعل إلى الهمّ، ومن القول إلى الخاطر. فالوسوسة -في التحليل النفسي- هي أدق الحركات الذهنية وأخفى التيارات الشعورية، التي تسبق القرار، وقد تسبق الوعي أحيانًا.

فالعلم الإلهي علمٌ بما قبل التكوين السلوكي، وقبل أن يتحول الخاطر إلى كلمة، أو الشعور إلى فعل.

ثم تأتي الذروة البلاغية والمعرفية (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ق:16، القرب في علم النفس الحديث يُقرِّر أن الإنسان يعيش حوارًا داخليًا دائمًا (Internal Dialogue)، وأن هذا الحوار قد يكون صامتًا، متقطعًا، متناقضًا، وقد يكون في بعض الأحيان مجهول المصدر لصاحبه نفسه. ومع ذلك، فالآية تقرر أن هذا الداخلَ -بكل تعقيداته- مكشوفٌ علمًا عند الله.

وهذا الإدراك يولد أثرًا نفسيًّا عميقًا: طمأنينة للقلقين؛ لأن خواطرهم معلومة قبل أن يعجزوا عن صياغتها، وضبطًا للمنفلتين لأن الخفاء النفسي ليس خفاءً عن الله، واتزانًا وجدانيًا، إذ يشعر الإنسان أنه غير متروك في هذه الحياة بمفرده.

فالقرب الإلهي في الآية قربُ إحاطةٍ وعلمٍ شامل، فالتعبير بـ«حبل الوريد» يستحضر أقرب ما يدركه الإنسان حسًّا من الاتصال الحيوي بجسده. فالوريد الوداجي من أوثق الأوعية اتصالًا بالحياة الداخلية، إذ ينتظم ضمن المنظومة الدموية المرتبطة بوظائف الدماغ والنشاط العصبي المستمر.

وهكذا يجتمع في التعبير بعدان متكاملان: قربٌ حقيقيٌّ في التصوير الحسي، يستدعي أقصى درجات الاتصال الحيوي، وقربٌ معنويٌّ في الدلالة، يشير إلى إحاطةٍ علميةٍ دقيقة بباطن الإنسان وخطراته. وبذلك تتعانق الدلالة المجازية مع الإشارة الحسية في صياغة قرآنية موجزة، تُقَرِّب المعنى إلى الفهم من غير أن تحصره في توصيفٍ تشريحيٍّ محض، وتلتقي مع ما يقرره الطب العصبي، في أن الإنسان منظومة متكاملة من إشارات كهربائية وكيميائية دقيقة، تتشكل في أعماقه قبل أن تظهر على جوارحه.

والنص القرآني إذ يقرر سبق العلم الإلهي لكل ما يجري في الداخل الإنساني من إشاراتٍ نفسيةٍ دقيقة، فإنه يدعوه إلى الهدوء واليقين، ويجعل السكينة فعل داخلي نابع من إدراكه أن القرب الإلهي رحمة واحتواء.

إذاً المسافة بينك وبين الله ليست ما تقطعه قدماك، ولا ما تنطقه شفتاك، ولا حتى ما تستحضره ذاكرتك، إنها مسافة تُلغى بالعلم الإلهي الشامل، وبالقرب الذي يحيط بالوسوسة قبل أن تصير فكرة، وبالإنسان قبل أن يدرك نفسه. فإذا ضاقت بك نفسك، فاعلم أن أقرب ما فيك -وريدك- فليس أقرب إلى حياتك من قرب الله إلى علمك ووجدانك ووجودك، وهنا تتجلى الحقيقة التأملية العميقة:

لسنا نحن من يقترب من الله أولًا، بل هو سبحانه جل في علاه –بعلمه وقربه– عند المسافة صفر منذ الخلق الأول.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة