اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

منعطف التفاوض

منعطف التفاوض

klyoum.com

نوال الجبر

بعد التصريحات التي تحدثت عن محادثات بين الولايات المتحدة وإيران وتأجيل الضربات على منشآت الطاقة، لم يعد السؤال محصوراً بطبيعة هذه الخطوة أو توقيتها، بل بات يتجه نحو تداعياتها المحتملة وطبيعة المرحلة التي تتشكل وحدود المسار الذي تتحرك فيه المنطقة، حيث يبرز سؤال محوري يفرض نفسه على إيقاع التطورات المتسارعة: هل وصلت أطراف الحرب إلى لحظة يميل فيها الجميع نحو التفاوض، أم أن ما يظهر على السطح لا يتجاوز إعادة تموضع مؤقتة داخل معادلة أكثر تعقيداً؟ تتقاطع المؤشرات القادمة من واشنطن مع رسائل محسوبة من طهران، بينما تقف المنطقة عند أعتاب مرحلة دقيقة تعاد فيها تشكيل حدود القوة وحدود الاحتمال في آن واحد، دون أن تتضح بعد معالم النهاية أو شكل التسوية.

تبدو اللغة السياسية في هذه المرحلة محملة بقدر من الانفتاح المقيد، حيث تطرح مفردات التهدئة جنباً إلى جنب مع الإبقاء على أدوات الضغط، في صيغة تعكس رغبة في اختبار المسارات الدبلوماسية دون التخلي عن موازين الردع. هذا التوازي يمنح التفاوض حضوراً، لكنه لا يمنحه اليقين، ويجعل من كل خطوة محسوبة بعناية ضمن سياق لا يسمح بالانزلاق الكامل نحو المواجهة ولا يفتح الباب واسعاً أمام تسوية سريعة.

في هذا السياق، يشكل جوهر التساؤل الثاني: ما الذي يمكن التحاور عليه الآن؟ هنا تتقدم أولويات الاستقرار على ما عداها، حيث يفرض أمن الطاقة نفسه كأحد المحاور الأكثر حساسية، في ظل ترابط الأسواق العالمية واعتمادها العميق على تدفقات مستقرة من المنطقة. كما يبرز أمن الممرات البحرية كملف لا يحتمل التأجيل، مع ما يحمله من انعكاسات مباشرة على حركة التجارة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي، إلى جانب الحاجة إلى وضع قواعد أكثر وضوحاً للحد من التصعيد وضبط إيقاعه.

تتجه الأنظار أيضاً نحو طبيعة الضمانات الممكنة، حيث لم يعد كافياً الحديث عن نوايا إيجابية أو التزامات عامة، بل تبرز الحاجة إلى ترتيبات أكثر صلابة قادرة على منع العودة إلى دوامات التصعيد. هذه النقطة تحديداً تمثل جوهر أي حوار محتمل، إذ إن غيابها يعني بقاء التهدئة في إطارها المؤقت، دون أن تتحول إلى مسار سلام مستدام.

إن الانعكاسات السلبية الواضحة للحرب على أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي، والتأثير الكبير على مصالحها الاقتصادية، وبحكم موقعها الحساس في قلب معادلة الطاقة العالمية وتحكمها في مفاصل جغرافية حساسة، يجعل من أمر استشارتها في أي حلول دائمة أمرًا حيويًا. أي تجاهل لهذه المصالح يُعد مدخلًا لاختلال أي تسوية محتملة، كما أن أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق النفط والغاز يرتبطان ارتباطًا عضويًا برؤيتها الاستراتيجية، وهو ما يفرض إدماج مصالحها ضمن بنية التفاهمات المطروحة، ليس فقط لضمان استدامة الاتفاق، بل لمنع إعادة إنتاج بؤر التوتر في محيطها الحيوي، خصوصًا في ظل ما تملكه من أدوات سياسية واقتصادية قادرة على دعم وترجيح كفة الاستقرار، وتحويل أي تهدئة مؤقتة إلى مسار أكثر رسوخًا واتزانًا على المدى البعيد.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة