لفظٌ واحدٌ وآفاقٌ لغوية
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
الدفاع : اعتراض وتدمير مسيرة في المنطقة الشرقيةد. نجوى الكحلوت
أحيانًا تفتح مفردةٌ واحدة في القرآن أفقًا واسعًا من التأمل اللغوي؛ فالتعبير القرآني لا يجيء على سبيل الاستبدال، بل يحمل معنًى مخصوصًا لا يقوم به غيره.
ومن المواضع التي تستوقف التأمل قول الله تعالى على لسان مريم عليها السلام: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) سورة مريم: 20، لم يقل النص: لم يمسسني إنسان أو رجل! وإنما جاء التعبير بلفظ بشَر تحديدًا. وهذا الاختيار يلفت الانتباه؛ لأن هذا اللفظ في العربية يتصل في أصله بالبَشَرة، أي ظاهر الجلد، ثم استُعمل للدلالة على الإنسان من جهة تكوينه الجسدي الظاهر. وكأن مريم عليها السلام تنفي كل مساس جسدي يمكن أن يكون سببًا للحمل، فجاء التعبير باللفظ الذي يوجّه الذهن مباشرة إلى معنى الملامسة البشرية.
ومن هذه الآية ينفتح سؤال لغوي أوسع: إذا كان القرآن يستعمل لفظ بشر في هذا الموضع بدقة، فكيف يتعامل مع بقية الألفاظ التي تشير إلى الكائن الإنساني؟ وهل تأتي هذه الألفاظ مترادفة في الاستعمال القرآني، أم أن لكل منها مجالًا دلاليًّا خاصًا؟
عند تأمل النص القرآني نلاحظ أن التعبير عن الكائن الإنساني لا يقتصر على لفظ واحد، بل يتنوع بين بشر وإنسان وناس، وهو تنوع يكشف عن فروق دلالية دقيقة ترتبط بالسياق الذي يرد فيه كل لفظ.
يظهر لفظ بشر غالبًا في السياقات التي تتصل بالخِلقة والطبيعة الجسدية للإنسان، كما في قوله تعالى: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) سورة ص: 71، المقام هنا يتحدث عن أصل الخلق، لذلك جاء التعبير باللفظ الذي يبرز الجانب المادي في تكوين الإنسان.
أما لفظ إنسان فيتجه إلى بعد آخر، هو الطبيعة النفسية والوجودية للكائن البشري؛ ولذلك يكثر وروده في الآيات التي تتناول صفات الإنسان وتجربته في الحياة، مثل قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) سورة المعارج: 19، فالآية لا تصف بنية الإنسان الجسدية، وإنما تتناول طبيعته النفسية وما يعتريها من ضعف أو اضطراب.
أما لفظ ناس فيظهر حين يتحول الحديث من الفرد إلى الجماعة البشرية، أي حين يكون المقصود الإنسان في سياق المجتمع والعلاقات الإنسانية، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) سورة البقرة: 21، الخطاب هنا موجّه إلى البشر مجتمعين، لا إلى فرد بعينه.
ومن خلال هذا التأمل يمكن ملاحظة أن هذه الألفاظ الثلاثة تكشف عن دوائر متدرجة للحضور الإنساني في التعبير القرآني: بشر، حين يُنظر إلى الإنسان من زاوية الخِلقة الجسدية، إنسان: حين يظهر في سياق النفس والوعي والتكليف، ناس، حين يرد في إطار الجماعة البشرية والمجتمع. وهكذا ينتقل التعبير من الوجود الجسدي إلى الوجود النفسي ثم إلى الوجود الاجتماعي.