اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

استراتيجية الماء

استراتيجية الماء

klyoum.com

نوال الجبر

أعادت الحرب الدائرة في المنطقة رسم حدود الأمن، واتسعت ساحات المواجهة لتصل إلى البنية التحتية المدنية والمنشآت الحيوية، ودخل الماء ضمن خريطة الاستهداف في تحول يضع أمن المجتمعات أمام أحد أكثر تحديات الصراع حساسية، وتكتسب المسألة أبعادًا استثنائية في الخليج الذي ترتبط مدنه بمنظومات واسعة للتحلية والنقل والتخزين، وتصبح حماية هذه المنظومة جزءًا أصيلًا من الأمن الوطني واستمرارية الحياة والخدمات والاقتصاد، فيما يفرض المشهد الراهن التفكير في قواعد جديدة تمنع تحويل المياه إلى أداة عسكرية أو ورقة ضغط خلال الحروب.

وقد كشفت تطورات المواجهة انتقال هذا الخطر من نطاق الاحتمالات إلى الوقائع، وسجلت المنطقة استهداف منشآت مدنية شملت محطات تحلية المياه في البحرين والكويت، وأكد الموقف المشترك لدول مجلس التعاون والأردن في يوليو أن الهجمات الإيرانية طالت منشآت الطاقة ومحطات التحلية والموانئ والمطارات وغيرها من الأعيان المدنية، في مؤشر بالغ الخطورة على اتساع بنك الأهداف ليشمل مرافق ترتبط مباشرة بحياة السكان، وسط شبكة مائية مترابطة تضم مآخذ مياه البحر ومحطات الإنتاج والضخ والخزانات وخطوط النقل وأنظمة التشغيل والتحكم.

وتكشف الأرقام حجم الأهمية الاستراتيجية للمياه في المملكة، فقد بلغت القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة 16 مليون متر مكعب يوميًا في 2025، بعد أن كانت 9 ملايين متر مكعب يوميًا عام 2016، ووصلت خدمات مياه الشرب الآمنة إلى 100% من السكان، وارتفعت السعة التخزينية الاستراتيجية بأكثر من 125% خلال العقد الأخير، وفق بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة، وهي مؤشرات تضع استدامة الإمدادات وسلامة المنشآت وشبكات النقل في صميم منظومة الأمن الوطني، وتمنح ملف المياه أولوية متقدمة ضمن الاستعداد لمخاطر الحروب والأزمات.

وتتعامل المملكة مع أمنها وسيادتها ومنشآتها الحيوية باعتبارها مرتكزات ثابتة في موقفها من الحرب، وجاءت مواقفها منسجمة مع الموقف الخليجي الداعي إلى حماية أراضي دول المجلس ومواطنيها وبنيتها التحتية، والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها وسلامة الملاحة، واحتواء التصعيد عبر العمل السياسي والدبلوماسي، ويضع استهداف المنشآت المائية أمام الرياض ملفًا إضافيًا يستحق تحركًا يتجه نحو حماية المياه إقليميًا ودوليًا وترسيخ مكانتها ضمن الأصول المدنية التي يجب أن تبقى خارج دوائر المواجهة.

ومن الرياض يمكن أن يبدأ مسار دولي جديد عبر «مبادرة الرياض لتحييد المياه في النزاعات»، يرسم خطًا أحمر حول المياه، ويمنح المنشآت المائية حصانة سياسية وقانونية واضحة من الاستهداف العسكري والسيبراني، ويضع أمن الماء ضمن قواعد إدارة النزاعات في عالم تتسع فيه ساحات الحرب، على أن تشمل المبادرة محطات التحلية ومآخذ مياه البحر ومحطات الضخ والخزانات الاستراتيجية وشبكات النقل وأنظمة التحكم الرقمية، إلى جانب إنشاء آلية دولية لرصد الاعتداءات والتحقق منها وقنوات اتصال عاجلة بين الدول لحماية استمرارية الإمدادات أثناء الأزمات.

وتملك الرياض قاعدة مؤسسية وخبرة مائية تؤهلانها لدفع هذا المسار نحو مجلس التعاون والمنظمات الدولية، مع احتضان المملكة مقر المنظمة العالمية للمياه واستعدادها لاستضافة المنتدى العالمي للمياه عام 2027، ويمكن أن تتطور المبادرة إلى مفهوم دولي تحت مسمى «الخط الأحمر للمياه» يشمل الحماية العسكرية والسيبرانية والتشغيلية للمنشآت، ويستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية المدنيين والأعيان المدنية والموارد الضرورية لبقاء السكان، وصولًا إلى التزام دولي أكثر وضوحًا تجاه الاعتداءات التي تهدد وصول المجتمعات إلى المياه خلال النزاعات.

ويفتح وصول الحرب إلى منشآت المياه ملفًا يستحق أن تتقدم فيه المنطقة برؤية تصنع قاعدة للمستقبل، وتملك المملكة المقومات السياسية والتقنية والمؤسسية لقيادة هذا المسار وتحويل حماية المياه إلى التزام إقليمي ودولي، ورسم خط أحمر من الرياض يحفظ المنشآت المائية من دوائر الصراع ويصون احتياجات الإنسان الأساسية من الدخول في حسابات المواجهة، ويؤسس لمفهوم أوسع للأمن الإنساني في زمن تتغير فيه أدوات الحروب وساحاتها، ليبقى المبدأ واضحًا أمام الجميع: الماء للحياة، وليس سلاحًا للحرب.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة