اخبار السعودية

صحيفة البلاد

سياسة

ثورة الألعاب

ثورة الألعاب

klyoum.com

في ليلة العيد، طافت بي ذكريات طفولتي لأكثر من نصف قرن مضى. نصف قرنٍ كامل، وما زالت تفاصيله الصغيرة تتسلل إلى القلب كأنها لم تغادره يومًا. أستعيد بهجة الثياب الجديدة، ورائحة الحذاء الجلدي، وصدى التكبيرات، وضحكات الأطفال التي كانت تملأ الأزقة، لكن أكثر ما يستوقفني هو عالم الألعاب البسيطة، التي شكّلت وجداننا. تلك الدجاجة البلاستيكية التي تبيض حين نضغط على ظهرها، والسيارة الصغيرة التي نركض خلفها بالدفع اليدوي. والطائرة الورقية التي نصنعها بشغف، ثم نطلقها نحو السماء، وكأننا نطلق أحلامنا معها. كنا نصنع متعتنا من لا شيء تقريبًا. الأولاد يبتكرون عربات خشبية ويتسابقون بها، ويلعبون الغميضة والكبوش والطرة والزقيطة حتى تختفي الشمس، والبنات ينسجن عوالمهن حول عرائس بسيطة من قماش وبيوت من الكرتون، ويقفزن بالحبل أو يرسمن مربعات لعبة بربر على الأرض. كانت ألعابًا محدودة لكنها عميقة الأثر، تغرس فينا الصبر وروح المشاركة والانتماء للجماعة. أما الكبار؛ فكانوا يجدون متعتهم في جلسات الطاولة والدومينو والشطرنج والبلوت؛ حيث تمتزج المنافسة بالود ويصبح اللعب مساحة للتواصل الإنساني. لم تكن الألعاب آنذاك مجرد تسلية؛ بل كانت وسيلة لبناء العلاقات وتوريث القيم بشكل عفوي وبسيط، ثم تغيّر المشهد تدريجيًا، وظهرت ألعاب مثل سكرابل وليغو وميكانو وغيرها؛ فحملت معها بعدًا جديدًا حيث أصبح اللعب أكثر ارتباطًا بالتفكير والتحليل والإبداع. لم يعد الطفل يكتفي بالحركة؛ بل صار يبني ويجرب ويكتشف، وكأن اللعبة أصبحت أداة تعليمية خفية تُنمي الذكاء وتوسع الخيال. ومع دخول العصر الرقمي، انقلبت الموازين واجتاحت الألعاب الإلكترونية العالم، ونقلت اللعب من الساحات المفتوحة إلى الشاشات المغلقة. لكنها في الوقت نفسه فتحت آفاقًا غير مسبوقة. فقد أصبحت الألعاب الحديثة وسيلة فعالة لتنمية مهارات متعددة؛ مثل سرعة اتخاذ القرار والتخطيط الإستراتيجي والعمل الجماعي عبر الإنترنت. كما أثبتت بعض الدراسات أن ألعاب المحاكاة يمكن أن تسهم في تدريب العقول على إدارة الأزمات واتخاذ القرارات المعقدة. وإذا كان الحاضر قد شهد هذه النقلة الكبيرة؛ فإن المستقبل يبدو أكثر إدهاشًا. فمع تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز سيصبح اللاعب جزءًا من العالم الذي يلعب فيه لا مجرد متفرج عليه. وسيمنح الذكاء الاصطناعي الألعاب قدرة على التكيف مع كل لاعب بحسب قدراته واهتماماته. بل إن استخدام الألعاب في التعليم والتدريب الطبي وإعادة التأهيل يفتح أبوابًا واسعة أمام توظيفها لخدمة الإنسان، ومع كل هذا التطور، يبقى التحدي في تحقيق التوازن. أن نحافظ على دفء ألعابنا القديمة التي صنعت ذاكرتنا، وأن نستثمر في الألعاب الحديثة التي تبني عقول الأجيال القادمة. فبين بساطة الماضي وابتكار المستقبل تظل الألعاب مرآة للإنسان، تعكس كيف كان، وكيف أصبح وإلى أين يمضي.

*المصدر: صحيفة البلاد | albiladdaily.com
اخبار السعودية على مدار الساعة