اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

تعالقات الخطاب الإعلامي بالتداولية الثقافية

تعالقات الخطاب الإعلامي بالتداولية الثقافية

klyoum.com

د. عبدالرؤوف الخوفي

لم يكن الخطاب الإعلامي يومًا مجرد وعاءٍ مُحايدٍ لنقل الوقائع، إنّه جهازٌ تلفُّظي كثيف يُنتج المعنى بقدر ما ينقله، ويُعيد تشكيل الوعي بقدر ما يصفه، ومن هنا فإنّ النظر إليه خارج أفق التداولية الثقافية والكفاية الموسوعية يُفضي إلى قراءةٍ سطحيّة ساذجةٍ تُغفل ضمنيّة الخطاب.

ولذا، يتقاطع مسار التداولية الثقافية مع الخطاب الإعلامي الذي يتأسس في جوهره على إدارة الافتراضات المسبقة، واستنطاق المسكوت عنه، وتوجيه التأويل، وصياغة الأطر الإدراكية للجمهور.

فهو خطابٌ يستدعي شبكةً من المعارف المشتركة، والتمثلات الثقافية، والحمولات الضمنية ليُمرِّر رسائله بأقل قدرٍ من المقاومة في رهانٍ على ما يُسميه التداوليون بـ»الافتراض المسبق»؛ حيث تُقدَّم المعاني في هيئة مُسلَّمات غير قابلة للنقاش، وبهذا يتحوّل المتلقي من فاعلٍ تأويلي إلى متلقٍّ مُؤطَّر تتحرّك قراءته داخل حدودٍ رُسمت له سلفًا.

ومن هنا، يتجلَّى أثر هذه التعالقات؛ إذ يُصبح الخطاب قادرًا على إعادة ترتيب الأولويات القيمية بعيدًا عن التصريح المباشر باتجاه ما يُسكَت عنه، أو ما يُقدَّم بوصفه طبيعيًّا أو بديهيًّا، فالسكوت في الخطاب ليس فراغًا، وإنّما فعل كلامي يُنجز شيئًا؛ حيث يُعيد توزيع الضوء على المشهد، فيُبرِز ما يريد ويُغِيِّب ما لا يريد.

وإذا كان كلٌّ من فوكو وفيركلاف قد كشفا عن هذه العلاقة بين المعرفة والسلطة، فإنّ الخطاب الإعلامي يُعدّ اليوم أحد أبرز تجليات هذه العلاقة؛ إذ لا يكتفي بنقل المعرفة، وإنّما يُسهم في إنتاجها وفق شبكاتٍ من القوّة الناعمة غير القسرية التي تُمارِسُ هيمنتها عبر تشكيل المُمكن في التفكير ذاته.

ولعلّ أخطر ما في هذا التعالق أنه يُنتج ما يُمكن تسميته بـ»الطبيعي المصنوع»! أي ذلك النمط من المعاني الذي يبدو عفويًّا وبديهيًّا، بينما هو في الحقيقة نتيجةُ عملياتٍ تداوليةٍ مُعقدة.

وإذا كانت التداولية الكلاسيكيّة تهتم بما يقصده المتكلِّم ويتأوّله المتلقي في موقف تواصلي معين، فإنّ التداولية الثقافية تنظر إلى الخطاب بوصفه ممارسة تتجاوز الأفراد لتدخل في شبكة قصديّة واسعة من القيم والافتراضات والأطر الذهنية التي تحكم فهم العالم.

وفي هذا السياق لا يعود الضمني مجرّد ظاهرة لغوية، بل يُصبح آلية ثقافية لإنتاج المعنى، فالخطاب الإعلامي لا يعمل غالبًا عبر التصريح المباشر، بل عبر ما يتركه في الظل كالافتراضات المسبقة والإيحاءات وترتيب المعلومات وطريقة تقديم الوقائع، وهكذا يتحوّل الضمني إلى مساحة خفيّة تتشكّل فيها كثيرٌ من تمثّلات الخطاب.

فالإعلام لا يفرض المعاني عادة بعبارات تقريرية صريحة، وإنّما يبنيها عبر التأطير والانتقاء، فما يُبرَز في الخبر، وما يُحجَب منه، وما يوضع في المقدمة أو في الهامش ليس سوى عناصر تشترك مُجتمِعة في تشكيل المعنى، بل وأكثر من ذلك في تشكيل صورة الواقع نفسه في وعي المتلقي.

ومن هنا، فإنّ تحليل الخطاب الإعلامي تداوليًّا لا يكتفي بتفكيك البنية اللغوية للنص، بل يسعى إلى الكشف عن الشبكة الضمنية التي تحكم إنتاج المعنى، فكلُّ خطاب ثقافي يحمل في طياته تصورًا معينًا للعالم، ويُعيد ترتيب الأشياء وفق هذا التصور، حتى ليبدو هذا الترتيب وكأنه طبيعي وبديهي.

ولعل المهمة الأساسية للتداولية الثقافية هي أن تجعل ممّا يبدو بديهيًّا الموضوعَ للسؤال، فحين يُصبح الخطاب مألوفًا إلى درجة لا نعود ننتبه فيها إلى بنيته الضمنية، تبدأ أهم وظائفه في العمل بصمت من خلال تلك الطبقات الخفية من المعنى.

ولذا تُتيح التداولية الثقافية لنا تفكيك هذه البِنى الخفيَّة عبر الكشف عن الاستراتيجيات الخطابية التي تُدار بها المعاني، وكأنّ التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في وفرة الخطاب وسيولته، بقدر ما يكمن في فائض المعنى المُوجَّه؛ وأقول «الموجَّه» حيث تتكاثر الرسائل ذات الأنماطٍ التداولية المحدَّدة التي تُعيد إنتاج الرؤية نفسها للعالم وإن اختلفت ظواهرها. وهنا تتأكد الحاجة إلى وعيٍ تداوليٍّ ثقافي لا يكتفي بالاستهلاك، بل يُمارِس المساءلة ويُعيد فتح المعنى على مختلَف احتمالاته.

وبظني فإن أخطر ما قد يواجهه إنسان هذا العصر لا يكمن في البروباغاندا وتضليل الحقيقة، بل في تطبيع التأويل عندما يُقاد إلى أن يرى العالم لا كما هو، بل كما يُراد له أن يراه، فيغدو أسير خطابٍ لا يسمعه فحسب بل يسكنه.

وفي المحصِّلة.. فإن تعالقات الخطاب الإعلامي بالتداولية الثقافية تكشف عن عدم جاهزيّة المعنى بوصفه معطى؛ حيث الصراعُ خفيٌّ تتنازعه القوى الخطابية كلٌّ ومدى نفوذها وهيمنتها.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة