اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الجامعات في قلب معادلة التحول الوطني

الجامعات في قلب معادلة التحول الوطني

klyoum.com

د. هاني بن محمد أبوراس

يُقاس نضج التحولات بقدرتها على المواءمة بين الغاية والأداة. فحين تتعدد المبادرات وتتسع دوائر التطوير، يبرز سؤال أساسي أكثر من تفاصيل التنفيذ: هل تعمل الأدوات في اتجاه واحد يعكس الغاية الكلية، أم تتحرك بشكل متوازٍ دون أن تلتقي بشكل فعلي؟

في السياق الوطني الراهن، برز مساران استراتيجيان يعكسان إرادة تحول واضحة. أحدهما إعادة تعريف موقع الجامعات عبر إقرار استقلالها المالي وتنويع مواردها، والآخر تطوير منظومة المناطق الاقتصادية الخاصة بوصفها إطاراً تنظيمياً مرناً يعيد تشكيل البيئة الاستثمارية ويستوعب أنماطاً متقدمة من النشاط الاقتصادي. كلا المسارين يمثلان خطوة نوعية في ذاته، غير أن اكتمالهما يتوقف على نقطة التقاطع الممكنة بينهما.

فالجامعات، بوصفها البنية المؤسسية الأكثر اكتمالاً للاقتصاد المعرفي، لا تمثل قطاعاً تعليمياً فحسب، بل تمثل أداة رئيسية يُقاس من خلالها مدى تكامل أدوات التحول. ومن ثم فإن موقعها في المعادلة الاقتصادية ليس شأناً إدارياً، بل مؤشر على مدى ملاءمة البيئة التنظيمية لدورها الجديد.

يمثل الاستقلال المالي للجامعات انتقالاً في طبيعة دورها داخل الاقتصاد الوطني، غير أن هذا الانتقال يظل مرتبطاً بمدى ملاءمة البيئة التي تعمل فيها. فالإيرادات التعليمية تخضع بطبيعتها لاعتبارات تنظيمية واجتماعية تضبط توسعها، والخدمات الاستشارية تبقى نشاطاً مكملاً لا يؤسس بمفرده لاستدامة طويلة الأمد، أما تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية فيتطلب بيئة تسمح بمرونة تعاقدية وشراكات ممتدة وتكامل فعلي بين البحث والتطبيق.

التجارب المقارنة تشير إلى أن الجامعات التي تحولت إلى محركات اقتصادية مؤثرة لم تعتمد على تضخيم مواردها التقليدية، بل على تموضعها ضمن أطر تنظيمية تمكّن المعرفة من التحول إلى نشاط اقتصادي منظم. فمناطق الابتكار المرتبطة بجامعات عالمية لم تُنشأ بوصفها توسعات مكانية، بل كبيئات متكاملة صُممت لاستيعاب طبيعة الاقتصاد المعرفي، حيث تتجاور المختبرات والشركات الناشئة ورأس المال في نسق واحد.

من هنا يظهر أن الاستقلال المالي لا يختبر قدرة الجامعة على زيادة إيراداتها فحسب، بل يقيس مدى ملاءمة البيئة التنظيمية لطبيعة القيمة التي يُراد إنتاجها.

تحتضن الجامعات السعودية حيزاً مكانياً واسعاً يمثل في جوهره بنية تحتية كامنة للاقتصاد المعرفي. غير أن هذا الحيز لا يُقرأ بقيمته العقارية المجردة، بل بقدرته على احتضان منظومات ابتكار متكاملة حين يُدرج ضمن إطار يسمح بتفاعل البحث مع الاستثمار والصناعة في نسق منظم.

فالاقتصاد المعرفي لا يتحقق بإنتاج الأفكار وحده، بل يحتاج إلى فضاءات بحث، وحواضن، ومراكز تطوير، وبيئات اختبار، وشراكات مؤسسية تعمل بشكل متكامل. وعندما تبقى هذه المساحات خارج الدورة الاقتصادية المنظمة، تتراجع قدرتها على الإسهام، وتبقى أقرب إلى أصول ساكنة منها إلى منصات إنتاج.

إن إدماج البنية المكانية الجامعية في إطار تنظيمي أكثر مرونة لا يعيد تعريف الجامعة بوصفها مطوّراً عقارياً، بل يعزز دورها المعرفي ضمن بيئة تتناسب مع طبيعة الاقتصاد الذي تُسهم فيه. فالأرض هنا ليست غاية استثمارية، بل وسيلة لقيام منظومة ابتكار متكاملة، يصبح أثرها الاقتصادي نتيجة طبيعية.

إذا كانت المناطق الاقتصادية الخاصة قد صُممت لتمكين أنماط نشاط تتطلب مرونة تنظيمية، فإن الاقتصاد المعرفي المؤسسي داخل الجامعات يمثل أحد أكثر هذه الأنماط وضوحاً. ومن ثم فإن التفكير في موقع الجامعات ضمن هذا السياق يُقرأ باعتباره اختباراً لانسجام الأداة مع الغاية، لا توسعاً في الامتيازات.

وتبقى الجامعات الحالة الأكثر اكتمالاً لهذا الاختبار، لأنها تجمع بين ملكية عامة للأصول، وإنتاج معرفي قابل للتحول إلى قيمة، والتزام نظامي بالاستقلال المالي، غير أن المنطق الذي يُختبر فيها لا يقتصر عليها بالضرورة، فكل كيان مؤسسي يقوم على إنتاج المعرفة أو التقنية قد يواجه مستقبلاً السؤال ذاته حول مدى ملاءمة البيئة التنظيمية لطبيعة نشاطه.

إن التحول الاقتصادي لا يكتمل بتعدد المبادرات، بل يتحقق حين تتناغم أدواته مع مقاصده. وإذا كان استقلال الجامعات مالياً قد أُقر بوصفه توجهاً استراتيجياً، وكانت المناطق الاقتصادية الخاصة قد أُنشئت لتعزيز التنافسية ورفع القيمة المضافة، فإن النظر في نقطة التقائهما يمثل المؤشر الأبرز على هذا الانسجام.

فالجامعات، بما تمثله من بنية معرفية مؤسسية وحيز مكاني قابل للاحتضان، تقدم الحالة الأوضح لاختبار ما إذا كانت أدوات التحول تعمل بتناغم مع أهدافها. وعندما تتسق البيئة مع الدور، لا تصبح الاستدامة تحدياً تنظيمياً، بل نتيجة طبيعية.

وعند هذه النقطة، يتجاوز النقاش حدود قطاع بعينه، إذ إن اختبار وحدة الاتجاه في حالة الجامعات يفتح الباب لقراءة مماثلة لكيانات معرفية أخرى ستواجه السؤال ذاته حين يبلغ دورها مرحلة التحول. فجوهر النضج المؤسسي لا يُقاس بكثرة الأدوات، بل بقدرتها على العمل في اتجاه واحد، وبالقدرة على إعادة ضبطها بما يخدم الغاية.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com