سطوة الصورة على الكلمة
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
إسرائيل تعلن استهداف قائدين كبيرين في حزب الله ببيروتم. هاني الغفيلي
في زمنٍ كان النص فيه سيد المشهد، وكان القارئ يمنح المقال وقراءة الخبر وقتًا ومساحةً للتأمل والتحليل، وكانت الصحف والكتب تشكل الوعي العام وتبني الاتجاهات؛ أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذريًا، حيث انتقلنا من القراءة إلى المشاهدة، ومن التأمل إلى التفاعل السريع، ومن النصوص الطويلة إلى مقاطع الفيديو القصيرة التي تختصر الفكرة في ثوانٍ معدودة.
هذا التحول لم يعد مجرد اتجاه عابر، بل أصبح سلوكًا راسخًا، فأكثر من 5 مليارات مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي حول العالم، يقضون في المتوسط نحو ساعتين ونصف الساعة يوميًا عليها، تُهيمن فيها المواد المرئية بشكل متزايد، ونحو 91 % من مستخدمي الإنترنت يشاهدون مقاطع الفيديو شهريًا.
ولم يتوقف الأمر عند مجرد المشاهدة، بل امتد إلى تفضيلات الجمهور، فالإحصاءات تشير إلى أن 66 % من المستخدمين يعتبرون الفيديو القصير أكثر أنواع المحتوى جاذبية، كما أن الفيديو يحقق تفاعلًا يفوق النصوص والصور مجتمعة بنسبة تصل إلى 1200 % بل إن 80 % من الشباب يفضلون مشاهدة المحتوى عبر الهاتف بدلًا من قراءته، في مؤشر واضح على أن الوسيط البصري أصبح اللغة الأساسية للأجيال الجديدة.
وإذا عدنا إلى الماضي، نجد أن تلقي المعلومات كان يعتمد على العمق والتدرج، بينما اليوم أصبح يعتمد على السرعة والاختصار، ففي السابق كان القارئ يمر عبر طبقات من التحليل والتفكير، أما الآن فالمتلقي يتنقل بين عشرات المقاطع خلال دقائق، في بيئة تحكمها الخوارزميات وتوجهها المنصات نحو المحتوى الأكثر جذبًا وليس بالضرورة الأكثر دقة، هذا التحول لا يعكس فقط تطورًا تقنيًا، بل تحولًا في طريقة التفكير والإدراك، حيث أصبحت الصورة تختصر المعنى، وأصبح الانطباع السريع يتفوق على الفهم العميق.
لكن هذا التحول يحمل في طياته تحديات عميقة، خصوصًا في ارتباطه بالقيم والأخلاقيات، فسهولة إنتاج الفيديو وانتشاره جعلت من الممكن نشر محتوى غير دقيق أو مضلل بسرعة هائلة، كما أن التركيز على الإثارة والاختصار قد يؤدي إلى تبسيط القضايا المعقدة أو تشويهها، وتشير الدراسات إلى أن الفيديوهات القصيرة، رغم جاذبيتها، قد تسهم في تقليل مدى الانتباه، حيث انخفض متوسط مدة التركيز لدى المستخدمين إلى نحو 8 ثوانٍ فقط في بعض التقديرات الحديثة، وهذا يعني أن الجمهور أصبح أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى السريع دون تمحيص كافٍ.
وفي هذا السياق، تلعب الشبكات الاجتماعية دورًا محوريًا في تعزيز هذا السلوك، حيث تدفع خوارزمياتها نحو المحتوى المرئي لأنه يبقي المستخدم لفترة أطول، كما أن صعود المؤثرين وصنّاع المحتوى خلق بيئة جديدة يتصدر فيها الصوت الأعلى والأكثر جاذبية، وليس بالضرورة الأكثر عمقًا أو مصداقية.
وفي المملكة، يظهر هذا التحول بوضوح في ظل ارتفاع نسبة استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي إلى مستويات من بين الأعلى عالميًا، وهو ما يجعل المجتمع السعودي جزءًا فاعلًا في هذا المشهد العالمي المتغير، إلا أن ما يميز التجربة السعودية هو ارتباط هذا الاستخدام بالقيم، حيث يظل الوعي المجتمعي والالتزام الأخلاقي عنصرين أساسيين في التعامل مع المحتوى، سواء في إنتاجه أو استهلاكه، فالمحتوى المرئي، رغم قوته وتأثيره، يجب أن يظل منضبطًا بمعايير الصدق والمسؤولية، وأن يُستخدم كأداة لتعزيز المعرفة لا لتشويهها.
إن التحول نحو الإعلام البصري ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول حضاري يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعلومة. وبينما يفتح هذا التحول آفاقًا واسعة للتواصل والتأثير، فإنه يضع في الوقت ذاته مسؤولية كبيرة على الأفراد والمؤسسات للحفاظ على القيم والأخلاقيات في بيئة إعلامية سريعة ومتغيرة.