اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

السعوديون يرفضون التبرع بالأعضاء

السعوديون يرفضون التبرع بالأعضاء

klyoum.com

د. بدر بن سعود

بعض العوائل السعودية لا تفهم فكرة الموت الدماغي، ولا تعرف أن الصلاحية الحيوية لأعضاء المتوفى دماغيا تكون في أول 48 ساعة من وفاته، والتأخر لأيام يجعل الجسم يفرز سمومًا طبيعية تؤدي لتلف سريع ونهائي للقلب والرئتين والكبد، وكحل وسط بالإمكان مشاركة بطاقة التبرع مع العائلة، وهذه الخدمة تشعرهم بقرار التبرع بمجرد تسجيله بمعرفة المتبرع في حياته، ما يفتح بابًا لحوار عائلي عقلاني يحيد احتمال الصدمة والمفاجأة غير المتوقعة..

نشرت صحيفة الرياض في 21 يوليو 2024، نقلا عن المركز السعودي لزراعة الأعضاء، أن عدد السعوديين ممن وثقوا تبرعهم بالأعضاء بواسطة تطبيق توكلنا، تجاوز 533 ألف متبرع، وهذا ساهم في تقدم المملكة الى المركز الثاني عالمياً، وذلك في المؤشر العالمي لتبرع الأحياء بأعضائهم، ولكن اللافت واستنادا لما ذكره المركز نفسه، هو أن قرابة 70% من المتبرعين بأعضائهم ترفض عائلاتهم إتمام التبرع بعد وفاتهم، نتيجة لصدمة الفقد المفاجئ، وما سبق يصادق عليه معدل التبرع الفعلي من المتوفين دماغيا في المملكة، والذي يقف عند 4 عمليات زراعة لكل مليون نسمة، بحسب بيانات المركز السعودي المسجلة لعام 2025، وهذه الفجوة الإحصائية الحادة، وضعت السعوديين في المرتبة 30، في مؤشر التبرع من المتوفين دماغياً، مقارنة بنسبتها التي تصل لـ40 متبرعا لكل مليون نسمة في أسبانيا، بفضل نظام الموافقة التلقائي لعام 1979، وهو ما يجعل التبرع في الحالة السعودية، إشكالية سيكولوجية واجتماعية، تحتاج لمعالجات مدروسة.

نظام التبرع بالأعضاء في المملكة صدر في 2021، ومنح عائلة المتبرع ووالديه حق الفيتو المطلق، أو الصلاحيات القانونية الكاملة لإلغاء رغبة المتبرع، وإن وثقها إلكترونيا في حياته، والمشرع يعتبرها أمرا اختياريا، وأنها تأخذ حكم الصدقة الجارية، ولكن الرفض قد يؤدي الى ضياع أعضاء حيوية، وحالة وفاة دماغية واحدة يمكنها إنقاذ حياة تسعة أشخاص، بينما يعتبر قانون كافاييه الفرنسي لعام 1976، ومعه قانون الموافقة المفترضة الإسباني في 1979، أن كل مواطن هو في الأصل متبرع تلقائي بأعضائه بعد وفاته، ما لم يسجل رفضه الصريح في حياته.. وفي قانون نوتا الأميركي لعام 1984 يؤخذ بنظام تفويض الشخص الأول، والمعنى ان قرار المتبرع يكون ملزما من الناحية القانونية، ولا يحق لعائلته نقضه، ولعل الحل الأنسب سعوديا يتمثل في احترام رغبة المتوفى قبل وفاته، لأنها من وجهة النظر الشرعية وصية موثقة وواجبة النفاذ.

أرقام وزارة الصحة السعودية لعام 2024 تشير الى ان الكلفة اليومية للرعاية الطبية الحرجة لكل مريض في العناية المركزة، تصل إلى عشرة آلاف ريال، أو حوالي ألفين وست مئة دولار، وأنها ترتفع في المتوسط الى 18 ألفا و750 ريالا، او ما يعادل خمسة آلاف دولار يومياً، عند استخدام أجهزة دعم الحياة المتقدمة لمرضى الفشل القلبي أو الرئوي الحاد ممن ينتظرون زراعة أعضاء لهم، ما يشكل عبئاً مالياً يدفع بشكل شهري للمريض الواحد، يقدر بنحو 562 ألفا وخمس مئة ريال، او 150 ألف دولار، وإتمام الزراعة بالتبرع يوقف كل هذا، بالإضافة الى انه ووفق دليل إجراءات إدارة الإخلاء الطبي الجوي في وزارة الدفاع السعودية، تكلف رحلة الطيران الداخلي الواحدة، لنقل طاقم جراحين والعودة بالأعضاء الحيوية، ما قيمته 112 ألفا وخمس مئة ريال، أو 30 ألف دولار، وكلها ستكون بلا معنى عندما يتراجع الأهل عن التبرع، أو يدخلون في نزاع أسري بين رافض وموافق.

خلافات من هذا النوع تعمل لمصلحة عصابات المتاجرة بالأعضاء، وطبقا لتقرير منظمة النزاهة المالية العالمية لعام 2017، فالسوق السوداء لتجارة الأعضاء تحقق أرباحا سنوية لا تقل عن ستة مليارات و370 مليون ريال، أو مليار و700 مليون دولار، ويستغل فيها اللاجئون والنازحون من قارتي آسيا وأفريقيا، وبعض أهل الخليج من زبائن هؤلاء المجرمين، وبدون شك، تفعيل التبرع المحلي المنظم يضيق على هذه التجارة، وفيه تكريس لإنسانية المجتمع السعودي المعروفة.

التعامل مع الأعضاء كان متفاوتا بين الحضارات القديمة، فقد طور قدماء المصريون، منذ عام 2600 قبل الميلاد، طقوساً تقوم على تفريغ الجسد من أحشائه لحمايته من التحلل كشرط للبعث، باستثناء القلب لاعتقادهم أنه يحمل هوية الإنسان وروحه، فيما حرمت اليونان القديمة المساس بالجثامين، لضمان العبور الآمن لمملكة الموتى، واليوم انتقلت المنظومة السعودية الى الحوكمة الرقمية الكاملة عن طريق إطلاق منصة (أثر) من قبل المركز السعودي لزراعة الأعضاء، في فبراير من العام الجاري، وذلك بالتعاون مع وزارة الصحة السعودية، والمنصة توظف تقنيات الأتمتة والربط الرقمي اللحظي للتبليغ الفوري عن حالات الوفاة الدماغية، في كل وحدات العناية المركزة بالمملكة، ومطابقتها إلكترونيا دون تدخل بشري بقوائم الانتظار، وبما يكفل أعلى مستويات العدالة، ويمنع الواسطة والمحسوبية، ويلتزم بالمعايير الشرعية والأخلاقية.

بعض العوائل السعودية لا تفهم فكرة الموت الدماغي، ولا تعرف أن الصلاحية الحيوية لأعضاء المتوفى دماغيا تكون في أول 48 ساعة من وفاته، والتأخر لأيام يجعل الجسم يفرز سموما طبيعية تؤدي لتلف سريع ونهائي للقلب والرئتين والكبد، وكحل وسط بالإمكان مشاركة بطاقة التبرع مع العائلة، وهذه الخدمة تشعرهم بقرار التبرع بمجرد تسجيله بمعرفة المتبرع في حياته، ما يفتح بابا لحوار عائلي عقلاني، يحيد احتمال الصدمة والمفاجأة غير المتوقعة، وبالتأكيد منح وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الثالثة للمتبرعين بأعضائهم بعد التثبت من تبرعهم في حياتهم أو بعد وفاتهم، فيه تكريم وحافز كبير، وتحديدا في خصومات تذاكر الطيران الداخلي والدولي على الخطوط السعودية بنسبة 50%، وفي إعطائهم أولوية حجز المواعيد الطبية والتنويم والعمليات في المستشفيات الحكومية والعسكرية والمدنية، والمزايا السابقة تورث لعوائل من يتبرعون بعد وفاتهم، ولا أجد سببا يحول دون تسمية قاعات المستشفيات بأسماء المتبرعين فيها، أو وضع لوحات شرف تضم أسماءهم وتحتفي بهم، لأنها محفزات ستفيد حتما في تجسير الفارق الكبير بين المطلوب والمعروض سعوديًا.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com