اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

التوازن بين المصالح

التوازن بين المصالح

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

من أهمّ ما يحتاج الإنسان إليه في معاشه ‏التوازن بين الراحة والسعي في أعماله، فهما مصلحتان لا غنى لأحدٍ عنهما، ولا يسوغ أن ‏تُهمل إحداهما بالكلية إفراطًا في الأخرى، فلو كابر الإنسان الواقعَ وتجاهل حاجته في الراحة لخارت قواه، واختلت صحته، وانقطع عما يفعل، ولن ينتج ‏شيئًا ذا بالٍ، وسيفوقه بمراحل من راعى توازن مصالحه..

من سماحة الشريعة ووسطيتها واعتدالها اهتمامها بالتوازن بين المصالح، بحيث لا تطغى ‏مصلحةٌ على مصلحةٍ حتى تقضي عليها، ولا تهمل منفعة لحساب منفعةٍ أخرى بالكليّةِ، ‏فمن المصالح ما لا يستغني أيُّ فردٍ عن أن يوازن بينها، فيشتغل بهذا حيناً ويشتغل بذلك ‏حيناً آخر، ويراعي جزئيةً هناك وجزئيةً هناك، ومنها ما تتشعب فيه التخصصات ‏والاهتمامات، فيتوجه الأمر بالتوازن بينها إلى الأمةِ بمجملها، وإلى أهل كل بلدٍ بخصوصهم، ‏وذلك كفروض الكفاية المتعلقة بالمصالح العامَّة، من علومٍ شرعيةٍ وآلاتها والعلوم الدنيوية على ‏اختلاف تخصصاتها، وكالحِرَف والصناعاتِ التي لا غنى عنها، فهذه لا يسع كل أحدٍ أن يمهر ‏فيها، فكان ذلك مطلوباً كفائيّاً، ويكفي أن لا يتفق أهل بلدٍ على إهمال ما يحتاجون إليه ‏من ذلك، لكن لا يعني كونه كفائيّاً أن يتطارحه الناس وينظرون إليه بعين الاتكاليّة، فقد ‏ذكر العلماءُ أن الكافة لو أهملت هذا النوع من الواجباتِ لأثموا جميعاً، وأنه إذا لم يتهيأ له إلا ‏واحدٌ تعيّن عليه، وهذا يجسِّد حرص الشرع على تكامل مصالح المجتمع، وحثها للإنسان ‏على الاهتمام بكل ما فيه صلاح معاشه ومعاده، ولي مع توازن المصالح وقفات:‏

الأولى: من أهمية توازن المصالح أنه الحكمةُ وراء وجود بعض الآيات الكونيّة، ‏فمنها ما كانت الحكمة منه أن يُعِينَ الناس على تنظيم شؤون حياتِهم، وأن يرتفقوا به في ‏سبيل التوازن بين مصالحهم، ومن ذلك تعاقب الليل والنهار واليقظة والمنام، فقد قال تعالى: ‏‏(وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)، ‏وقال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً)، فمن أهمِّ ما يحتاج الإنسان إليه في معاشه ‏التوازن بين الراحةِ والسعيِ في أعمالِه، فهما مصلحتان لا غنى لأحدٍ عنهما، ولا يسوغ أن ‏تُهمل إحداهما بالكلية إفراطاً في الأخرى، فلو كابر الإنسان الواقعَ وتجاهل حاجته في الراحة ‏وظل يعمل أربعاً وعشرين ساعةً لخارت قواه، واختلت صحته، وانقطع عما يفعل، ولن ينتج ‏شيئاً ذا بالٍ، وسيفوقه بمراحلَ من راعى توازن مصالحه، فكان يستريح حيناً ويعمل حيناً؛ ‏ولهذا جعل الله تعالى الوقت قسمين: الليل والنهار، والليل مناسبٌ للراحة والسكون، والنهار ‏مناسبٌ للعمل والدؤوب في أعمال الدنيا والآخرة، ولو أخلَّ الإنسانُ بهذا التوازن تمام ‏الإخلال، فلم يقم في نهارٍ ولم يسكن في ليلٍ لتأثرت مصالحُه سلباً، ولتباين نشاطه مع ‏أنشطة الناس ودواماتهم، ولأرهق جسده بتكليفه ما لا يلائم طبيعة البشر؛ ولهذا كره السهر ‏لغير مصلحةٍ، ففي حديثِ أبي برزة الأسلميّ رضي الله تعالى عنه، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى ‏اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا»، متفقٌ ‏عليه، وقد بيَّن العلماءُ أن هذا ليس مطلقاً، بل هو مقيدٌ؛ إذ يباحُ الحديث والسهر لما فيه ‏مصلحة، أو طريق مَبَرّةٍ وخيرٍ، كالمسافر والعريس، والسمر مع الضيف، ومدارسة العلم، ونحو ‏هذا من سُبُل الخير.‏

الثانية: كما وجدت الآياتُ الكونية لتعين على التوازن، جاءت النصوص الشرعيةُ لتؤكّده، ‏وتجعله قاعدةً وسطيةً، ومن الأعمال الجليلة التي يكثر اختلال التوازن فيها إنفاق الأموال؛ ‏ولهذا تكرر الأمر بضبطها بميزان الوسطية، فقال تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا ‏تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)، وقال: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ ‏بَيْنَ ذلِكَ قَواماً)، فقررت هاتان الآيتانِ مبدأ الوسطية في الإنفاق، فليس للإنسانِ أن يخلّ ‏بالتوازن في التعامل مع المال، بل يحظر عليه الإسراف والتبذير، فهذا استهتارٌ بالنعمةِ، ولا ‏يخلو من ظلمٍ للورثةِ وتعريضهم للحرج، كما يدل عليه ما رواه الشيخان عن حديث سعد بن ‏أبي وقاصٍ رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، ‏خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)، وبالمقابل يحظر عليه التقتير على من تلزمه نفقته ‏من زوجةٍ وذريةٍ، فهذا تفريطٌ وظلمٌ، كما يحظر عليه الإفراط في الإمساك بمنع ما وجب في ‏ماله من الزكاة، ويستهجن منه أن يضيق على أسرته، فيحرمهم مما جرت العادة ببذله لهم، ‏كما يقبح منه البخل في المقام الذي يحمد فيه الجود. ‏

الثالثة: التوازن بين المصالح جارٍ بين مصالحِ المعاد والمعاشِ، فالأمةُ مأمورةٌ بالتوازنِ بينهما، فلا ‏يسوغ للإنسان أن ينشغل بمصالح المعاشِ عن مصالح المعاد، كما قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ ‏آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)، ‏وكذلك لا يسوغ له أن يستغرق في نوافل العباداتِ حتى تضيع مصالح معاده، بما في ذلك ‏راحة بدنه، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ ‏عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قُلْتُ: فُلاَنَةُ لاَ تَنَامُ بِاللَّيْلِ، ‏فَذُكِرَ مِنْ صَلاَتِهَا، فَقَالَ: «مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى ‏تَمَلُّوا»، متفقٌ عليه، بل مراعاة مصلحة المعاش عبادةٌ بذاتها إذا استصحبت النية، فالزواج ‏مثلاً مأمورٌ به من أطاق تحملَ تكاليفِه، وإذا نوى به تطبيق الأمر الشرعي وإعفاف النفس ‏وتكثير الأمةِ أثيب عليه، وليس للإنسانِ أن ينشغل عنه بالعبادةِ، فإنّ ذلك من الرهبانية التي ‏لم تشرع لهذه الأمة.‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة