اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

كُلُّنَا نُقَّادٌ

كُلُّنَا نُقَّادٌ

klyoum.com

د. فهد إبراهيم البكر

عَرَف الإنسانُ النّقدَ منذ قديم الزمان، عندما راح يميّز بين الصواب والخطأ، ويدرك الفرق بين الجيّد والرديء، ويعرف الجميل من القبيح؛ ومن هنا ذهب النقاد الأوائل في تعريفهم للنقد بأنه: معرفة الجيد من الرديء، ورأوا أن النقد في أصله مأخوذ من تمييز الدراهم والدنانير، أي إخراج جيدها من رديئها، ثم صاغوا من هذه المقارنة تعريفًا للنقد، وأنه: فحص الشعر والنثر لكشف محاسنهما، أو عيوبهما، وبيان قيمتهما الفنية، وفقاً لما يمليه الذوق السليم، فاستلهموا هذا التعريف من عمل الصيرفي قديمًا، وذلك من خلال نقده الدراهم والدنانير، ونقلوا هذا التصور في نقدهم العمل الأدبي.

غير أن المفهوم اللغوي، والمعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة أخذ ينمو عند النقاد العرب قديماً، ثم تطور المفهوم في العصور الإسلامية المتلاحقة، حتى أصبح للنقد أصوله وقواعده التي أسس لها نقاد كبار، من أمثال: ابن قتيبة، وابن سلام الجمحي، والآمدي، والجرجاني، وقدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وابن رشيق القيرواني، وابن الأثير الكاتب، وحازم القرطاجني، وابن سنان الخفاجي، وغيرهم، حيث وضع كل منهم للنقد بصمة واضحة، إلى أن استوى النقد علمًا يُعرف به جيد الشعر من رديئه، وأخذ يتوسع في تناول قضايا نقدية كثيرة، كقضية اللفظ والمعنى، وقضية الطبع والصنعة، وقضية السرقات الشعرية، وقضية عمود الشعر، وغيرها من القضايا النقدية القديمة والحديثة.

وقد سلك النقد مسارات عدة، فبدأ ذاتيًا، ثم انطباعيًّا، ثم أصبح منهجيًّا، إلى أن أضحى علماً واسعاً ذا اتجاهات ونظريات، واحتك بعلوم أخرى كعلم اللغة، وعلم اللسانيات، وعلم التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والفلسفة، والتربية، ونحوها، ومن هنا أصبح شكلاً من الضرورات التي يمارسها الإنسان في واقعه العلمي، والمعرفي، والتاريخي، والاجتماعي، ونحو ذلك من المجالات الأخرى التي يصبح النقد فيها جزءًا من البناء، والتقويم، والتوجيه، والتصحيح، وتلكم أهم مقومات النقد التي يمكن أن نجدها في كل فن.

وانطلاقاً من هذا التصور بات النقد سلوكاً حياتيًّا، أو نشاطًا يوميًّا، لدى كثير من الناس، فالأب يستعمله مع الأبناء، والمعلّم مع الطلاب، والمدير مع الموظفين، والمدّرب مع المتدربين، والمشرف مع من يشرف عليهم، وكل إنسان مع من يوجهه، أو يقوّمه، أو يحاول تصحيح سلوكه، أو تعديل مساره، أو استدراك أخطائه، عندئذ يصبح الجميع نقادًّا، وذلك حين يستعملون المعيار الأول للنقد، وهو تمييز الجيد من الرديء، أو تبيين الصحيح من غيره، كما قد يستعمل الإنسان النقد مع نفسه، عندما يحاول تصحيح ذاته، وتطوير سلوكه، فتأنيب الضمير مثلاً، ولوم النفس، شكلان واضحان من أشكال النقد الذاتي.

وقد اطلّعتُ مؤخراً على كتاب جيد جاء بعنوان (كلّنا نقّاد: كيف نكون لطفاء مع أنفسنا؟)، وهو للمؤلفة والمعالجة النفسية (جوليا بوينو)، وقد نهض الكتاب في مجمله على فكرة جوهرية، وهي نقد الذات العلاجي، وذلك من خلال عدم التحامل على النفس، أو القسوة معها عند تقويمها وتهذيبها. واستبدال الصوت الداخلي القاسي بالتعاطف الإيجابي، والتفاعل البنّاء، بدلاً من جلد الذات، أو هدمها. وتوضّح المؤلفة من خلال كتابها هذا أن النقد الذاتي يؤثر في كثير منا، وبذلك نصبح كلنا نقادًا.

وينسحب الأمر على كل نقدٍ يطرأ في حياتنا، فنحن نمارس النقد مع ذواتنا، ومع أهلنا، ومع أصحابنا، ومع من يتوافقون معنا أو يختلفون، كل أولئك قد نتعرّض معهم للنقد، وقد يتعرّضون هم معنا للنقد، لكن علينا التركيز على النقد الهادف، وأن نكون دائماً لطفاء مع أنفسنا، ومع الآخرين؛ فكُلّنا نقّادٌ.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة