اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

دروس للمستقبل

دروس للمستقبل

klyoum.com

عبدالله عبدالكريم السعدون

أفرزت الحرب الدائرة حالياً بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى دروسا كثيرة، بعضها معروف ومكرر، وتأكيد لدروس سابقة، كأهمية التقنية والاستخبارات، والعنصر البشري في نجاح العمليات. ومن أهم ما أفرزت الحرب تأكيد الدور الريادي للمملكة كدولة محورية في الدول المطلة على الخليج العربي والأردن، وبخاصة دول مجلس التعاون لما تتمتع به من موقع استراتيجي، وما تتمتع به من مساحات شاسعة، وموانئ ومطارات، وبنية تحتية منحتها القدرة على الصمود، ومساعدة دول مجلس التعاون والعالم على تجاوز الأزمة التي خلفتها الحرب، وبخاصة إقفال مضيق هرمز. ومن أهم الدروس أهمية القيادة العليا، وما تميزت به قيادة المملكة من حضور ومتابعة وقرارات حكيمة تصب في مصلحة الدول المتضررة من العدوان. ونجاح القوات الجوية والدفاع الجوي في التصدي للطائرات المسيرة والصواريخ التي استهدفت المنشآت الحيوية في دول مجلس التعاون. وهذا هو ما جعل الحياة والأعمال بمختلف أنشطتها تسير بصورة عادية وكأنه لا حرب ولا عدوان من دولة مجاورة.

أما الدرس الأهم فهو ضرورة التكامل الاقتصادي والعسكري والسياسي بين مختلف دول مجلس التعاون، وبناء القدرات الذاتية لكل دولة من دوله. وبخاصة السعي لامتلاك التقنية وتصنيعها للمجالين المدني والعسكري. ومن أشمل من كتب عن ذك المهندس عبدالله بن عودة الغبين في صحيفة مال، تحت عنوان "الصناعات العسكرية في دول العالم: دروس وتجارب واستشراف للمستقبل السعودي" حيث أشار إلى أهمية الصناعات العسكرية، حيث تمثل ركيزة أساسية للقوة الوطنية الشاملة، وأحد أعمدة السيادة والنفوذ لكل دولة.

وقد استعرض في مقاله المهم تجارب التصنيع العسكري لخمس دول هي أميركا وألمانيا وكوريا الجنوبية وإيطاليا والبرازيل. ورغم أن لكل دولة إمكاناتها وظروفها وسياساتها الدفاعية إلا أنها تشترك في خطوات مهمة لنجاح التصنيع العسكري والمدني من أهمها:

أولاً: الأهم والقاسم المشترك بين تجارب هذه الدول هو الإرادة السياسية التي ترفع الصناعة الدفاعية إلى مرتبة الأولوية الاستراتيجية الراسخة لإنجاح هذا القطاع، ودعمه بكل ما يحتاج من مال وخبرات، وتسهيل الإجراءات، وإقامة علاقات راسخة بين القطاعين العام والخاص. وإقامة شراكة مع الجامعات ومراكز الأبحاث. الإرادة العليا هي ما يصنع الفرق، ويذلل العقبات كما رأينا في رؤية 2030 وكيف غيرت ببرامجها المتعددة كل أوجه النشاط والحياة في المملكة.

ثانياً: الاستثمار الهائل في التعليم والبحث والتطور هو القاسم المشترك لجهود تلك الدول. وهو البوابة لامتلاك التقنية، ولن يؤتي ثماره إلا بإيجاد منظومة تربط بين الجامعات البحثية والصناعة والقوات العسكرية. لخلق قدرات وطنية في مجالات مهمة كالذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة، وأنظمة الفضاء، وكل ما يدعم المجهود الحربي، والاقتصاد بشكل عام. وتمثل كوريا أفضل النماذج التي ذكرها الكاتب، فقد ركزت على التعليم والبحث والتطوير، وجعلت نقل التقنية من أهم بنود شراء السلاح، بعد أن كانت تشتريه، وتكتفي بتجميعه فقط. وعقدت الشراكات مع مراكز الأبحاث والشركات العالمية، وشجعت شركاتها على البحث والتطوير وزودتها بجيوش من المهندسين والفنيين.

ثالثاً: التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص في مجال التصنيع، وإشراك الجامعات ومراكز الأبحاث في ذلك. وفي الصين على سبيل المثال لا يعتبر التعاون تطوعاً، بل إلزامياً تفرضه الحكومة وتدعمه بكل احتياجاته. وفي ألمانيا يتضح التعاون بين القطاعين في مجال الأبحاث المشتركة، والتدريب العملي لطلبة المعاهد والجامعات في شركات القطاع الخاص أثناء دراستهم، لدمج العلوم النظرية مع التطبيق والممارسة.

رابعاً: الشركات الصغيرة والمتوسطة هي العمود الفقري لكل تصنيع ناجح، وهذه بحاجة إلى ضمان التمويل بعيداً عن المصارف التجارية التي تحجم عن التمويل عالي المخاطر وبعيد المدى، كما هو في الصناعات العسكرية. مع ضمان الشراء من قبل القطاعات العسكرية، والمرونة في التصدير. وبناء الشراكات مع الشركات التي لها عقود مع المملكة.

خامساً: العنصر البشري هو الأهم لإنجاح التصنيع، والتنمية بشكل عام. وهذا يتطلب المراجعة المستمرة لنظام التعليم من رياض الأطفال حتى التعليم العالي. وجعل التدريب والابتعاث ونقل التقنية من أهم بنود شراء السلاح من الخارج.

الدول التي نجحت في التصنيع العسكري وغيره هي التي استثمرت في الإنسان على مدى عقود، واتخذت من العلم منطلقاً لامتلاك القوة بكل مكوناتها. هي التي اتخذت استراتيجية تجمع بين التشريع الواضح والمرن، والتمويل، والتعليم والبحث والتصنيع. وهي التي تدرس تجارب الدول وتأخذ بأفضل الممارسات بما يضمن السيادة الوطنية، ويعزز الاقتصاد، ويرسخ مكانتها كدولة صناعية على مستوى العالم.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة