حين يكون الوطن حكاية عمر
klyoum.com
أ.د. فهد مطلق العتيبي
كم هو شاب وأنيق ومتجدد هذا الوطن في كل أعوامه.. وطنٌ تزيد أعوامه، لكنه لا يبدو مثقلًا بالسنوات، بل أكثر شبابًا وثقةً وطموحًا، يمضي إلى المستقبل بخطى متسارعة، وقد أصبح حضوره واضحًا في الاقتصاد والسياسة والثقافة والسياحة والتقنية، ومكانته أكثر رسوخًا في المشهد العالمي، تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-.
ولعل أجمل ما في قصة المملكة العربية السعودية أن حاضرها المتجدد لم ينفصل عن جذورها. فمنذ إعلان توحيد البلاد على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، لم تكن الوحدة مجرد جمعٍ لأقاليم متفرقة تحت راية واحدة، بل كانت تأسيسًا لفكرة وطن، وبناءً لهوية جامعة، وتحويلًا للجغرافيا الواسعة إلى مجتمع سياسي يشعر أفراده أنهم ينتمون إلى مصير مشترك. ومن هنا فإن أعظم مكتسبات الوحدة الوطنية لا يُقاس فقط بما شُيّد من مدن وطرق وجامعات ومؤسسات، على أهميتها، وإنما بما صنعته الوحدة في الإنسان السعودي نفسه.. لقد أنتجت دولةً مستقرة ومجتمعًا متماسكًا، ورسخت الأمن، ووسعت فرص التعليم والصحة والعمل، وربطت أطراف البلاد بعضها ببعض، حتى غدا السعودي من شمال المملكة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، شريكًا في هوية وطنية واحدة.
واليوم تدخل هذه الوحدة التاريخية طورًا جديدًا من البناء.. فما بدأه المؤسس بتوحيد المكان، تستكمله الأجيال بتوسيع إمكاناته وصناعة مستقبله. وفي كتابي «معالم في طريق رؤية المملكة 2030» حاولت قراءة جانب من هذا التحول؛ فالرؤية، في تقديري، ليست مجموعة مشروعات متفرقة، وإنما مرحلة جديدة في تاريخ بناء الدولة السعودية: تنويع للاقتصاد، واستثمار في الإنسان، وإعادة اكتشاف للمكان، وتوسيع لدور الثقافة والسياحة والتقنية والابتكار، مع حضور سعودي متنامٍ على الساحة الدولية.
ويبدو السؤال الأجمل ليس: ماذا حقق الوطن؟ فالشواهد من حولنا كثيرة، وإنما: ماذا نستطيع نحن أن نضيف إليه؟ فالأوطان العظيمة لا تكتمل بالبناء الذي ورثناه فقط، بل بما نتركه نحن لمن سيأتي بعدنا.. وإذا كان الجيل الأول قد حمل مسؤولية توحيد الوطن، فإن مسؤولية جيلنا أن يحمل أمانة تعظيم أثره.. وهكذا يكون الوطن: شابًا في طموحه، أنيقًا في حضوره، عريقًا في جذوره، ومتجددًا في رؤيته؛ وطنًا يعرف من أين أتى، ويعرف جيدًا إلى أين يريد أن يصل.