حين يصبح أمن السعودية قضية العالم
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
4 نوفمبر.. عمومية رماث تنتخب مجلس الإدارة للدورة الجديدةد. محمد المسعودي
يبقى السؤال بعد بيانات الإدانة والتضامن: كيف يُترجم موقف العالم إلى إجراءات جادة تحمي المطارات والمنشآت النفطية والممرات البحرية، وتوقف تدفق الأسلحة إلى ميليشيا الحوثي، وتحاسب المسؤولين عن الاعتداءات، وتدعم الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية، وتفتح أمام الشعب اليمني طريقًا نحو الأمن والسلام؟
كان محمد نصر الله بدربوري، المعتمر البنغلاديشي البالغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، ينتظر رحلته من الرياض إلى جدة، ومنها إلى مكة المكرمة. جاء ضمن مجموعة من خمسة وأربعين معتمراً، يحمل أمنية الوصول إلى الحرم، حين أصاب الهجوم الحوثي مطار الملك خالد الدولي في العاشر من أكتوبر 2026. انتهت رحلته هناك، وترك زوجة وثلاثة أطفال ينتظرون عودته.
وفي المطار نفسه، كانت بثينة أحمد عويضة، السورية المقيمة في مكة، عائدة من زيارة شقيقتها في الرياض. انقطع اتصالها بأسرتها بعد إبلاغهم بتأجيل الرحلة، ثم وصل خبر وفاتها. وارتفعت حصيلة الهجوم إلى ثلاثة عشر قتيلاً، وأصيب أكثر من ثلاث مئة شخص. خلف هذه الأرقام أناس جاؤوا للعبادة والعمل ولقاء الأهل، فوجدوا أنفسهم أمام مأساة تتجاوز حدود جنسياتهم.
هنا تبدأ المسألة التي تستحق أن ينشغل بها العالم: ما الذي يعنيه أن تستطيع ميليشيا الحوثي تهديد مطار دولي ومنشأة نفطية وسفينة تجارية في وقت واحد؟ إن امتلاك جماعة مسلحة قرار التصعيد، واستخدام المرافق المدنية وسيلة ضغط، يجعل المسافرين والعمال والتجار أطرافاً في صراع بعيد عن اختياراتهم. ويزداد الخطر حين تتحول الهجمات المتكررة إلى أخبار مألوفة، فيما تعيش الأسر نتائجها سنوات طويلة.
وتزداد خطورة المشهد مع التعاون العسكري بين الحوثيين وقوى خارجية. ففي يوليو 2025 أعلنت القيادة المركزية الأميركية اعتراض شحنة ضخمة من الأسلحة والمعدات قالت إنها متجهة إلى الجماعة. وفي يوليو 2026 نقلت "رويترز" عن مصادر معلومات بشأن وصول مستشارين ومعدات مرتبطة بالصواريخ والمسيّرات إلى اليمن، بينما تنفي طهران تزويد الحوثيين بهذه القدرات. تكشف هذه الروايات المتعارضة أهمية الرقابة الدولية على شبكات التسليح وطرق وصوله إلى الجماعات المسلحة.
واليمنيون أنفسهم في قلب المأساة. فقد وثّقت "هيومن رايتس ووتش" اعتقالات تعسفية نفذها الحوثيون بحق صحفيين وعاملين في الإغاثة، إلى جانب انتهاكات مرتبطة بالألغام وتجنيد الأطفال. وأعلنت الأمم المتحدة في يونيو 2026 استمرار احتجاز العشرات من موظفيها لدى سلطات الحوثيين، بما يعوق الإغاثة ويضاعف معاناة المحتاجين. وبين الاستهداف عبر الحدود والانتهاكات داخل اليمن، تضيق فرص الناس في حياة مستقرة ودولة قادرة على حمايتهم.
وتقدم منشأتا بقيق وخريص مثالاً على ترابط أمن السعودية بمصالح العالم. ففي سبتمبر 2019 أدى استهدافهما إلى تعطيل مؤقت لنحو 5.7 ملايين برميل يومياً من إنتاج النفط الخام، بحسب وكالة الطاقة الدولية. ويمتد هذا الترابط إلى الموانئ وشبكات الطاقة والممرات البحرية؛ فقد حذرت المنظمة البحرية الدولية من الهجمات على السفن في البحر الأحمر وما تسببه من مخاطر على البحارة وسلاسل الإمداد. هكذا تصل الصواريخ إلى أسواق بعيدة حتى عندما تسقط في مكان محدد.
وفي الخليج، حملت المواقف معنى أكثر قرباً. فقد ربطت قطر أمن السعودية بأمنها وبالأمن الجماعي لمجلس التعاون، وأكدت الإمارات والكويت والبحرين تضامنها مع المملكة. وشددت سلطنة عُمان على حماية المدنيين وخفض التصعيد. وامتدت المواقف العربية إلى الأردن، حيث عبّر الملك عبدالله الثاني عن تضامنه، وإلى مصر وسوريا والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. يكشف هذا الامتداد حجم المصالح والمسؤوليات المشتركة بين دول المنطقة.
وامتدت دائرة التضامن إلى العالم. فقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الاعتداء على المدنيين، ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الهجوم بأنه فظيع، وأعلن وزير الخارجية ماركو روبيو تضامن بلاده مع السعودية. وأدان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف استهداف المرافق الحيوية، وصدرت مواقف من كندا وماليزيا والاتحاد الأوروبي. وتفاوتت هذه التصريحات بين الإدانة والدعم الدفاعي والدعوة إلى التهدئة، لكن اجتماعها يؤكد اتساع القلق الدولي.
أما الصحافة العالمية، فقرأت الهجمات من نافذتين متداخلتين. تابعت "رويترز" الضحايا وتعطل الرحلات، ورصدت "فايننشال تايمز" انعكاسات الاعتداء على مشاركة قيادات في قطاع الطاقة بمؤتمر الرياض. بين قصة معتمر فقد حياته، وشركة تعيد حسابات السفر والاستثمار، تتضح حقيقة تستحق التأمل: أمن السعودية حاضر في تفاصيل إنسانية واقتصادية تمتد بعيداً عن حدودها.
ويبقى السؤال بعد انحسار بيانات الإدانة والتضامن: كيف يُترجم موقف العالم إلى إجراءات جادة تحمي المطارات والمنشآت النفطية والممرات البحرية، وتوقف تدفق الأسلحة إلى ميليشيا الحوثي، وتحاسب المسؤولين عن الاعتداءات، وتدعم الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية، وتفتح أمام الشعب اليمني طريقاً نحو الأمن والسلام؟
فالمعتمر الذي فقد حياته في مطار الرياض، واليمني الذي يخشى الاعتقال أو الألغام، يجمعهما حق إنساني أصيل؛ أن يعيش الإنسان آمناً في وطنه، بعيداً عن الصواريخ وحسابات الميليشيات وصراعاتها.
حفظ الله وطننا وقيادته وشعبه وكل من يقيم على أرضه، وأدام على بلادنا أمنها وعزّها واستقرارها، وكتب لأهل اليمن الأمن والسلام، وجنّب أوطاننا وشعوبنا شرور الحروب والفتن.