اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

الـتـــوالـــي لـهـــــا وآلــي

الـتـــوالـــي لـهـــــا وآلــي

klyoum.com

عاصم عبد الفتاح

يُعتبر هذا المثل الشعبي جزءًا من موروثنا الثقافي، وهو مما نضحت به أذهان السابقين من أسلافنا، وباحت به أكنّتهم وصدورهم، حيث تميّزوا ببساطة أسلوبهم وعباراتهم، وطرح أفكارهم بإيجاز غير مُخلّ؛ أي بسلاسة وسهولة في المبنى، مع دلالة عميقة في المعنى.

ويجسّد هذا المثل معنى إيمانيًا عظيمًا، وهو حسن الظن بالإله المقتدر في تصريف شؤون المستقبل القريب والبعيد، وتدبير ما يناسبنا. فهذه المقولة تدفع ذهنية الإنسان إلى التهادي والاطمئنان، وتدعوه إلى عدم استنزاف طاقته وتفكيره في القلق مما هو قادم؛ فالتوالي من الأحداث والتكليفات والاختبارات لها والٍ يسوقها ويدبّرها، ومن ذلك قولهم: «ربّ الخير لا يأتي إلا بالخير».

ولعلّ من أبلغ ما يُستأنس به في هذا المعنى أبياتٌ تُنسب إلى الإمام الشافعي، تختزل ما يستنزفه القلق من النفس، وتردّها إلى الثقة بكفاية الله وتدبيره:

سَهِرَت أَعيُنٌ وَنامَت عُيونُ

في أُمورٍ تَكونُ أَو لا تَكونُ

فَاِدرَأِ الهَمَّ ما اِستَطَعتَ عَن النَفسِ

فَحِملانُكَ الهُمومَ جُنونُ

إِنَّ رَبّاً كَفاكَ بِالأَمسِ ماكانَ

سَيَكفيكَ في غَدٍ ما يَكونُ

ويحسن الاستشهاد بما يُروى عن الخليفة الجليل عمر بن الخطاب، في قوله:

«لو كُشِفَتْ حُجُبُ الغيبِ، ما اختارَ إنسانٌ إلا ما اختاره اللهُ له!»

وامتلاك مثل هذه الذهنية، آشبه بطوق نجاة لنا آو بر آمان في بحارٍ لُجّية، تتلاطم أمواجها بنا في الدنيا، وتجعلنا غرقى في الحسرات على ما فات ومضى، أو في بذل عباب لا ينتهي لبلوغ ما بلغه الآخرون، أو تحت وطأة مدٍّ من الشكوك التي تمتد إلينا حول صحة قراراتنا من عدمها، حتى تكاد تغمرنا.

وهذا كله لا يعني التواني عن التخطيط، أو ترك الاستشارة والاستخارة، وإنما هي دعوة إلى التخفف من الحذر والحيطة المفرطين، ومن لوم النفس بعد الإقدام على أمرٍ من أمور الحياة. فلو رُفعت الحجب، لرأى المرء أن ما سلكه وأقدم عليه كان هو الأمر الأفضل له، سواء ظهرت نتائجه المثلى، أم تبدّت مساوئه منذ البداية.

ولعلّ التذكير الأسبوعي الذي يمرّ علينا بقصة العبد الصالح مع موسى عليه السلام، وما شهدته من خرق السفينة، وفقد الغلام، وإقامة الحائط، أعظم برهان على أن الحجب تحمل في بواطنها رحمات الوالي وعناية المولى، وأن ما قد يبدو لنا في ظاهره شرًا أو خسارة، قد تنطوي عواقبه على خيرٍ لا تدركه أبصارنا ولا تحيط به عقولنا.

ولكن، كيف نصبر على ما لم نحط به خُبرًا؟

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة