اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الشورى السعودي... نهج إسلامي، ونبراساً يُحتذى به

الشورى السعودي... نهج إسلامي، ونبراساً يُحتذى به

klyoum.com

أ.د. تركي بن سعد الخريـجـي

قال الله تعالى ( وأمرهم شورى بينهم )، رافقت هذه الآية الكريمة قيام وبناء الدولة السعودية منذ عهد مؤسسها وموحدها جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه –، الذي أهتدى بها فجعلها أساًساً وركيزةً ونهجاً شرعياً لحكمه الرشيد، فاستمرت هذه الآية الكريمة نبراساً اقتدى ويقتدي بها من خَلَفَهُ من أبنائه وذريته المباركة في حكم وإدارة البلاد وتصريف شؤون العباد. فبحصافته – طيب الله ثراه – الإدارية وحنكته الاستشرافية أدرك خلال توحيده لبلادنا المباركة مدى الحاجة إلى نظام إداري مؤسسي مؤطر بأحكام مبادئ الشريعة الإسلامية تتجسد فيه فلسفة الدولة في الحكم وإدارة شؤون البلاد والعباد؛ فجاءت الشورى كمبدأ أصيل تستمد مشروعيتها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وهو دستور بلادنا المباركة. ففي سنة 1343هـ (1924م) ومن مكة المكرمة بدء العمل بهذا المبدأ التشاوري من خلال نظام إسلامي شوري عُرف عند تأسيسه بمسمى المجلس الأهلي الشوري. ثم تُوِّج هذا النظام بتأسيس مجلس الشورى سنة 1345هـ (1926م). لُيسهم هذا المجلس منذ ذلك التاريخ في تنظيم شؤون دولتنا المباركة وإرساء آلية مبادئ إدارة شؤون البلاد والعباد، وإشراك الشعب في بلورة وصنع القرار، وذلك باعتبار أن الشورى نظاماً إسلامياً أصيلاً يقوم عليه النظام السياسي في الإسلام.

فمنذ سنة تأسيس مجلس الشورى السعودي، مرَّ المجلس في مسيرته التاريخية بمراحل تطويرية خلال فترات حكم ولاة أمرنا، ليواكب متطلبات العصر، ويتلاءم مع مستجداته ومعطياته المحلية والإقليمية والدولية، مواصلًا النهج الذي أرساه ورسمه مؤسس بلادنا المباركة – طيب الله ثراه – منذ إنشائه لهذا المجلس في إدارة شؤون الدولة، القائم على مبادئ العدل والشورى والمساواة، حتى أصبح مجلس الشورى السعودي مؤسسةً شوريةً وطنيةً رائدة، تحظى ببالغ العناية والاهتمام ومتابعة ولاة أمرنا له (أعزهم الله ووفقهم لكل خير وصلاح). وفي سنة 1412هـ (1992م)، وقبل ما يربو عن 35 عاماً صدر بأمر ملكي حصيف نظام مجلس الشورى السعودي ليحل هذا النظام محل نظام مجلس الشورى السعودي الصادر سنة 1347هـ (1928م). حيث يتكون هذا النظام من ثلاثين مادة تتناول تكوين مجلس الشورى السعودي، وآلية تعيين أعضائه، ومدته، ومهامه واختصاصاته، واجتماعاته، والحق في طلب حضور أي مسؤول حكومي، وغيرها. ومنذ تلكم السنة (1412ه، 1992م) شهدت بعض مواد هذا النظام تعديلات على نصوصها لعل أبرزها التعديل الجوهري على نص المادة الثالثة المتعلق بزيادة عدد أعضاء مجلس الشورى السعودي إلى مئة وخمسين عضواً على ألا يقل نسبة تمثيل المرأة فيه عن 20%، وتعديل المادة التاسعة والعشرون المتعلقة باللائحة الداخلية لمجلس الشورى السعودي. كما تجدر الإشارة إلى أن المادة الخامسة عشر من نظام مجلس الشورى السعودي تمثل اللب الأساس والدور الرئيس للمجلس المتمثل في إبداء الرأي في السياسات العامة للدولة، ومناقشة الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودراسة الأنظمة واللوائح والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وتفسير الأنظمة، ومناقشة التقارير السنوية لأجهزة وقطاعات الدولة، ومن ثم أبداء الرأي والتوصيات والاقتراحات بما يراه بشأنها.

اليوم، نحن جزءاً من عالم يشهد تحولات متسارعة ومذهلة، وتطورات متلاحقة في مختلف المجالات والقطاعات؛ مما يجعل مواكبة هذه المتغيرات والتطورات من خلال مراجعة مؤسسات الدولة لأنظمتها وتطويرها وتحسينها المستمر بما يعزز كفاءتها ويرتقي بفاعلية أدائها ويمكنها من الاستجابة المباشرة للقضايا الناشئة، ومواكبة هذا الواقع، واستغلال استثمار الفرص، والتنبؤ الاستشرافي للتحديات المحلية والعالمية؛ ضرورة وطنية تفرضها متطلبات هذه التغيرات والتحولات الكبرى.

نعيش – ولله الحمد والمنة – في هذا العهد الميمون نهضة تنموية شاملة في مختلف المجالات والقطاعات. وحيث أن مجلس الشورى السعودي المبارك يجسد أحد أهم أدوات تطبيق النظام الأساسي للحكم في بلادنا المباركة القائم على دستورها المبارك كتاب الله وسنة رسوله المطهرة، وأحد أبرز التطبيقات المؤسسية لمبادئ الفقه السياسي الإسلامي بوصفها مؤسسة وطنية رائدة تسهم في صناعة القرار الوطني، وتعزز جودة التشريع، وتدعم مسيرة التنمية الشاملة في بلادنا الغالية. فضلاً عن أن هذا المجلس يُجسد مبدأ الشورى الذي أقره ديننا الإسلامي الحنيف، وجعله النظام الأساسي للحكم في بلادنا الغالية أحد المرتكزات التي تقوم عليها إدارة شؤون الدولة. لذا فإن الاستمرار في تطوير مجلس الشورى السعودي بما يتوافق مع أحكام النظام الأساسي للحكم في بلادنا المباركة، وتحسين وتحديث مواد نظامه الصادرة في سنة 1412ه (1992م) ولوائحه، وتطوير قدراته البشرية، واختصاصاته البرلمانية وغير البرلمانية، وتوسيع سلطته، وتعزيز صلاحياته ونطاق ممارساته التشريعية والرقابية والاستشارية بما يتواكب مع مستجدات المرحلة وتسارع التحولات الوطنية والعالمية؛ يعكس النهج الراسخ لبلادنا المباركة ويُجسد بُعد اهتمام ولاة أمرنا – رعاهم الله – في تحقيق المصلحة العامة، ومواكبة متطلبات التنمية الشاملة، والارتقاء بكفاءة الأداء الحكومي ومخرجاته.

ولعل من الممارسات والمهام التحسينية والتطويرية التي قد تعزز من الدور الوطني الرائد لمجلس الشورى السعودي سواء كان ذلك من خلال لجانه المختصة أو وحداته الإدارية، هو في: استشراف المستقبل في مجالات التنمية الشاملة، والقضايا الناشئة الدولية، وذلك من خلال دراسة الاتجاهات العالمية في مجالات التنمية، والدراسات التنبؤية، وتحليل البيانات، ومعرفة التحديات الوطنية للعقود القادمة، واقتراح السياسات الاستباقية والتشريعات، وضوابط الحوكمة الوطنية الملزم إجراءها عليها، مما قد يسهم في بلورة تحديد مواقف المملكة وسياستها تجاه هذه القضايا الناشئة الدولية وتعميمها على بقية الجهات في بلادنا المباركة. وتعظيم دور وأثر مجلس الشورى السعودي من خلال المساهمة الفاعلة في المشاركة في صياغة التوجهات الاستراتيجية المؤسسية، والخطط بعيدة المدى للجهات الحكومية وشبه الحكومية في المملكة قبل إقرارها. وأن يكون للمجلس صلاحية المبادرة المباشرة باقتراح مشروعات تحديث أو تعديل أو تحسين أنظمة الجهات الوطنية، وإجراء المراجعة الدورية التحسينية لهذه الأنظمة، والتحقق من تحقيقها للأهداف والمؤشرات الوطنية المنشأ من أجلها النظام، والتأكد من المواءمة والتكامل والحد من التضارب التشريعي بين الجهات الوطنية. فضلاً عن تعزيز ممارسة الدور الرقابي لمجلس الشورى السعودي من خلال متابعة تنفيذ توصياته بشكل دوري. كما وأن في وجود وحدة إدارية للدراسات البرلمانية الدولية لتضطلع بإجراء الدراسات المعيارية، والمقارنات الدولية لمخرجات الجهات النظيرة لمجلس الشورى السعودي، وتحليل بياناتها وسياساتها؛ أثر بالغ الأهمية في تعزيز المكانة البرلمانية الدولية للمملكة، فضلاً عن دعم الدبلوماسية السعودية. وفي تعزيز تفعيل المشاركة المجتمعية واستقبال أراء ومقترحات المواطنين دور مهم في تعزيز لحمة الهوية الوطنية لمجلس الشورى السعودي. كما سيسهم تبني توظيف التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة مخرجات أعمال مجلس الشورى السعودي.

ختاماً، أرى أنه من الضرورة بمكان الاستشهاد بوصف ما يسود في جلسات مجلس الشورى السعودي من أجواء التوافق في الرأي والطرح، وما يتصف به أعضاء المجلس الموقرون تحت قبة مجلس شورانا السعودي من حكمة حصيفة، واتزان بليغ في طرح الموضوعات ومناقشتها. على خلاف ما نشهده في كثير من مجالس برلمانات بعض الدول من حدوث جدال شخصي، وارتفاع في نبرة الأصوات، وعراك بالكلام قد يتطور في كثير من المواقف إلى مشاجرة بالأيدي وأكثر من ذلك !. فعلى النقيض التام من ذلك، فتحت قبة مجلس الشورى السعودي تسود قيم المودة والأخوة والتعاون والألفة واللحمة الوطنية والاحترام المتبادل، ويجتمع الرأي على تغليب المصالح الوطنية بعين وطنية واحدة ألا وهي عين مصلحة العباد والبلاد، وهذا يؤكد أن الشورى هوية إسلامية في مجلس الشورى السعودي (The Saudi Shura Council - S.S.C.).

وبالله التوفيق.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com