دروس مستفادة من التصعيد الإيراني
klyoum.com
طلعت حافظ
إن العدوان الإيراني الغاشم والسافر على دول مجلس التعاون الخليجي، باستخدام المسيّرات والصواريخ الباليستية منذ بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي عليها، لأمرٌ يندى له الجبين، ولا سيما أنه يصدر عن دولة إسلامية جارة تربطها بدول المجلس أواصر اقتصادية ودبلوماسية. ويعكس هذا السلوك استخفافًا واضحًا باتفاقيات السلام ومبادئ حسن الجوار، وفي مقدمتها اتفاق بكين بين المملكة العربية السعودية وإيران، الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة دامت سنوات طويلة.
كما أنه لمن المؤسف جداً أن ذلك العدوان البربري على دول المجلس وعلى بعض من الدول العربية الشقيقة، لا يستند إلى مبررات عسكرية واقعية، بل يستند إلى تصورات مغالطة للحقائق ولسلوكيات حسن الجوار، سيما وأن دول المجلس والدول العربية التي استهدفت لم تكن طرفًا في الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أو حتى داعمة أو مؤيدة له، لأنها تَعى تمامًا مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية تجاه جيرانها من الدول بالمنطقة، كما أنها دول مسالمة دأبت على المحافظة على السلم والسلام الدوليين، وإعمار بلادهم والعالم.
لقد تجلّى الكره الإيراني الدفين للدول العربية عامة، ودول مجلس التعاون الخليجي خاصة، بوضوح خلال الأحداث الدامية الأخيرة، إذ تشير المعطيات إلى أن عدد الصواريخ الباليستية والمسيّرات التي استهدفت دول المجلس، والمقدّرة بنحو خمسة آلاف خلال فترة وجيزة منذ انطلاقة الهجوم في 28 فبراير 2026، يفوق بأضعاف ما وُجِّه خلال المدة ذاتها نحو الكيان الإسرائيلي، والذي لم يتجاوز قرابة 850 صاروخًا ومسيّرة.
إن هذا الكره الإيراني العقائدي المتجذّر للدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي، يستوجب من دول المجلس مزيدًا من التكاتف والتآزر في مواجهة أي هجوم أو عدوان خارجي محتمل، لا قدّر الله، سواء كان مصدره إيران أو غيرها من الدول. كما أن ذلك يفرض الحاجة إلى ضرورة إعادة النظر في طبيعة العلاقات بين دول المجلس، بل ومع بقية الدول العربية، بما يشمل مختلف الجوانب، وفي مقدمتها الجانب العسكري.
إن الوطن العربي لا تنقصه العقول ولا الأموال، وإنما تنقصه الإرادة السياسية الصادقة، والقيادة الواعية، ووحدة الصف والقرار، تلك التي تُحسن توظيف الإمكانات، وتُحوِّل الطاقات إلى إنجاز، وتضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، جامعةً الكلمة تحت راية هدفٍ مشترك. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن تضطلع جامعة الدول العربية بدور أكثر فاعلية وتأثيرًا في المشهد الإقليمي، وألا تكتفي ببيانات الشجب والتنديد، بل إن تنتقل إلى مواقف عملية وخطوات تنفيذية ملموسة تعزّز العمل العربي المشترك، وتُسهم في صون الأمن القومي العربي ومواجهة التحديات الراهنة بحزم وكفاءة.
ولعل في تجربة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منذ تأسيسه عام 1981، نموذجًا ناجحًا يُحتذى به على المستويين السياسي والاقتصادي، حيث استطاعت دوله الست تحقيق إنجازات حضارية وتنموية غير مسبوقة، بفضل التنسيق والتكامل وتوحيد الرؤى في مواجهة التحديات، وهو ما يؤكد أن العمل العربي المشترك متى ما توفرت له الإرادة والرؤية، قادر على تحقيق نتائج ملموسة وفاعلة. وفي هذا السياق، وللمحافظة على ما حققته دول مجلس التعاون من إنجازات ومكتسبات، فإن المرحلة المقبلة تتطلب خطوات عملية أكثر جرأة وفاعلية، وفي مقدمتها تفعيل التكامل الاقتصادي والمالي على مستوى السوق الخليجية المشتركة، وتعزيز الجدار الجمركي الموحد، والدفع نحو مشاريع التصنيع المشترك، لا سيما في المجالات الاستراتيجية وعلى رأسها الصناعات العسكرية. كما وتبرز الحاجة إلى إحياء فكرة الانتقال من مرحلة التعاون إلى الاتحاد، التي طُرحت في قمة الرياض عام 2011، بما يعزز وحدة الموقف، ويرسّخ التكامل المؤسسي، ويرفع من كفاءة التنسيق في مواجهة التحديات.
ومن شأن هذه الخطوات أن تُسهم في بناء منظومة خليجية أكثر تماسكًا وقوة، قادرة على تحقيق الاكتفاء النسبي، وتعزيز الأمنين الاقتصادي والعسكري، وترسيخ مكانة دول المجلس ككتلة إقليمية مؤثرة وفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي. وفي هذا الإطار، يُعدّ البدء بتأسيس حلف دفاعي على غرار حلف «الناتو» على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي الخيار الأكثر واقعية، نظرًا لما تتمتع به هذه الدول من تقارب سياسي، وتكامل اقتصادي، وتنسيق أمني متقدم، الأمر الذي يوفّر أرضية صلبة لانطلاق مشروع دفاعي مشترك يتمتع بالكفاءة والفاعلية.
على أن يتم لاحقًا توسيع نطاق هذا الحلف بشكل تدريجي ومدروس ليشمل بقية الدول العربية، وفق معايير واضحة تضمن الجاهزية والالتزام، وبما يحافظ على تماسكه ويعزز قدرته على تحقيق أهدافه. كما يمكن، في مراحل لاحقة، توسيع هذا الإطار ليشمل دولًا إقليمية مؤثرة ترتبط بعلاقات استراتيجية مع العالم العربي، مثل تركيا وباكستان وغيرها، بما يسهم في بناء منظومة أمنية أوسع نطاقًا وأكثر قدرة على تحقيق التوازن الاستراتيجي وتعزيز الاستقرار الإقليمي، شريطة أن يقوم ذلك على أسس راسخة من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، دون الإخلال بهوية الحلف وأولوياته العربية.
وبهذا النهج المتدرّج والمتوازن، يمكن لهذا الحلف أن يتحول من إطار خليجي إلى منظومة إقليمية فاعلة، قادرة على مواجهة التحديات، وصون الأمن، وترسيخ الاستقرار في محيطٍ يشهد تحولات متسارعة.