في مَعْنَى العِيد
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
ضبط مخالف لنظام البيئة لإشعاله النار في الأماكن غير المخصصة بالمدينة المنورةد. فهد إبراهيم البكر
ترتبط دلالة كلمة (العيد) بمعانٍ كثيرة، تدل في معظمها على جانب إيجابي، فهي لفظة ترمز إلى الشيء الذي يعود، ويتجدّد، ويتكرر، ومن هنا اقترنت بمظاهر الفرح، والسرور، والألفة، والاجتماع، كما اقترنت أيضاً بالذكريات الجميلة، والمعاني الطيبة؛ ولعل هذا سبب واضح في أن (العيد) إنما عُرِف بذلك؛ لأنه يعود، ويتكرر، ويأتي كل سنة بفرح متجدد، ولأنه يعود على الناس بالمباهج والسعادة؛ ولذلك يقول البعض في تهنئاتهم: «عاد عيدكم»، أو «ينعاد عيدكم»، أو «عساكم من عوّاده»، أو «من العايدين»، أو «كل عام أنتم بخير»، أو «عيدكم مبارك»، وهي عبارات تنضح بالفرح والسرور، وتكشف عن المعنى الجميل للعيد.
ولقد أفرط الشعراء قديماً في حب العيد، بمجرد رؤية هلاله النحيل؛ لذلك اكتسبت أوصافهم له طابعاً جماليًّا، وشكلاً بهيجاً، كقول ابن الرومي مثلاً: «ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله ... تجلَّى هـلالُ العيـدِ من جانبِ الغربِ»، وقول ابن المعتز يشير إلى الهلال: «وانظـرْ إليـه كزورقٍ من فِضَّــةٍ ... قـد أثقلتْـهُ حمـولـةٌ من عَنْبَـرِ»، ويقول البحتري مهنِّئاً الخليفة العباسي المتوكل (274هـ): «فانعمْ بعيد الفطرِ عيدًا إنه ... يوم أغرُّ من الزمانِ مُشهَّر»، ويقول المتنبي في سيف الدولة الحمداني (356هـ)، عندما انقضى شهر رمضان: «الصَّـوْمُ والفِطْـرُ والأعيادُ والعُصُر ... منيـرةٌ بـكَ حتى الشمسُ والقمـرُ»، وهو الذي يقول في قصيدة أخرى: «هنيئـاً لـكَ العيـدُ الذي أنتَ عِيدُه ... وعيـدٌ لمـن سَمَّى وضحّى وعيّـدا».
ولو جمعنا ما قيل في العيد ومباهجه في الأدب عموماً لطال بنا العرض، لكنما أردنا أن نتوقف عند تلك العاطفة النابضة بالفرح، المبتعدة عن التشاؤم والتشكي، ولا سيما أن من علامات العيد إشاعة السرور، ونشر البهجة، وإظهار التودّد والتلطّف مع المسلمين صغيرهم وكبيرهم، وكشف روح المحبة، والتفاؤل، وقد كنتُ كتبتُ في الأعياد بعض قصائد تكرس هذا المعنى، من قبيل: «العيدُ أقبلَ بالبشاشةِ زاهيًا ... نَثَرَ الورودَ وأطرب الآذانا = جاءت به الأيامُ تحمِل عطرها ... عَزَفَتْ له الأنغام والألحانا».
إنَّ علينا في العيد أن نبدي كل مشاعر الرفق، والمحبة، والبهجة مع الناس، حتى مع أولئك الذين لم نكن معهم على وئامٍ، أو صفاء، فالعيد فرصة لتجديد عواطف الحلم، والمودة، والإيثار، وجبر الخواطر، ونسيان الهموم والمنغّصات، وهنا أتذكر كلام علي الطنطاوي في كتابه (مع الناس) عندما قال: «ثم يأتي العيد فتراه يوماً ليس كالأيام، وترى نهاره أجمل، وتحسّ المتعة به أطول، وتبصر شمسه أضوأ، وتجد ليله أهنأ. وما اختلفتْ في الحقيقة الأيام في ذاتها، ولكن اختلف نظرنا إليها؛ نسينا في العيد متاعبنا فاسترحنا، وأبعدنا عنا آلامنا فهنئنا، وابتسمنا للناس وللحياة فابتسمت لنا الحياة والناس، وقلنا لمن نلقى أطيب القول: كل عام وأنتم بخير، فقال لنا أطيب القول: كل عام وأنتم بخير».
وما أجمل حديث الرافعي أيضاً في كتابه (وحي القلم) عن (اجتلاء العيد)، حيث يقول: «جاء يوم العيد، يومُ الخروج من الزمن إلى زمنٍ وحدَهُ لا يستمرُّ أكثرَ من يوم، زمنٌ قصيرٌ ظريفٌ ضاحك.. يومُ السلام، والِبْشر، والضَّحك، والوفاء، والإخاء، وقول الإنسانِ للإنسان: وأنتم بخير. يومُ الثيابِ الجديدة على الكل؛ إشعاراً لهم بأن الوجهَ الإنسانيَّ جديدٌ في هذا اليوم. يوم تعُمُّ فيه الناسَ ألفاظُ الدعاء والتهنئة مرتفعةً .. ذلك اليومُ الذي ينظر فيه الإنسانُ إلى نفسه نظرةً تلمحُ السعادة، وإلى أهله نظرةً تُبصر الإعزاز، وإلى داره نظرةً تُدرك الجمال، وإلى الناس نظرةً ترى الصداقة..».