اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

نفـوس.. أشـدُّ مراسـاً

نفـوس.. أشـدُّ مراسـاً

klyoum.com

عاصم عبد الفتاح

وإنَّ جراحَ الحُرِّ نورٌ لقلبِهِ

تُهذِّبُهُ حتى يُجيدَ التفرُّسا..

يُنسب هذا البيت إلى الشاعر الكويتي فالح بن طفلة، وهو يستعرض جانبًا مهمًا من التجارب الإنسانية، ولا سيما تلك التي تقع على النفس وقوع السيف، لما تخلّفه من جراحٍ بالغة الوطأة، عميقة الأثر في الذهن والروح.

فهذه التجارب، إما أن تطرح الإنسان ضعيف الإرادة صريعًا، وتدفعه إلى الإنغمار في دوامة اليأس من الدنيا وأهلها، وتقلب أيامها ومداورة أحداثها، وإما أن تُحدث تحولًا جذريًا وإيجابيًا في ذهنية كل حرٍّ ذي لبٍّ وعقلٍ فذٍّ وإرادة صلبة. إذ تدفعه إلى التفكير مليًا في الأحداث ودوافعها، والناس وطبائعهم، ثم توسّع مداركه وتُنمّي بصيرته، فما يلبث أن يتكيّف مع التقلبات، ويداور الأمور، ويسايس آصحاب النفوس الملتوية، ويزداد فطنةً وفهمًا يومًا بعد يوم.

ولعل هذا المعنى يتصل بما ذهب إليه الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس في تأملاته، إذ رأى أن كثيرًا من اضطراب الإنسان لا ينشأ من الأحداث بقدر نشوئه من الأحكام التي يصدرها عليها. فالمرء يملك، إلى حد بعيد، أن يختار موقفه مما يقع. لذا، فإن الجراح التي تصيب المرء قد تكون فرصة لمراجعة تصوراته عن الناس والحياة، وإعادة النظر في مسلّمات طالما اعتبرها حقائق لا تقبل التبدل. ولعل الحر الذي يحسن الإفادة من محنته هو من يتعلم كيف يواجه قسوة الواقع دون أن يسمح له بانتزاع اتزانه آو صفاء روحه، أو إقباله على الحياة بإفاضة وإفعام .

وإذا كان أوريليوس قد رأى في ضبط الحكم على الأحداث سبيلًا إلى صيانة النفس، فإن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه يذهب إلى معنى آخر لا يقل عمقًا، حين يقول: «ما لا يقتلني يجعلني أقوى». وهي عبارة تختزل جانبًا من قدرة الإنسان على تحويل المحنة إلى مصدر قوة، والخروج من التجربة أكثر معرفة بحدوده وإمكاناته. فكم من إنسان لم يكتشف صلابة إرادته إلا حين ضاقت به السبل، ولم يدرك حقيقة بعض من حوله إلا حين تبدلت الظروف وانكشفت المواقف. غير أن القوة هنا.. تعني القدرة على استيعاب ما جرى، ثم النهوض منه بوعي أوسع ونفس أشد مراسًا.

إذ قد تدفع الأزمة صاحبها إلى إعادة ترتيب أولوياته، وتعميق فهمه لذاته، وإعادة تقييم علاقاته بالآخرين، فضلًا عن اكتشاف قدرات كامنة لم يكن ليتبينها في ظروفه المعتادة. وكأن التجربة، على ما تنطوي عليه من ألم، تزيح عن بصيرته طبقات من التصورات القديمة، فتجعله أكثر إدراكًا لما يستحق التمسك به، وما ينبغي تجاوزه، ومن يستحق أن يمنحه ثقته.

وما زالَ هذا العيشُ يقسو ولم تزلْ

تُلاقيهِ بالصبرِ الجميلِ إذا قسا

يُعزّيكَ عن آلامِ دُنياكَ كلِّها

فؤادٌ على عزمِ الرجالِ تأسَّسا

ويُغنيكَ بابُ اللهِ عن بابِ غيرِهِ

ومن كانَ يرجو اللهَ ما عادَ مُفلسا

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة