اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

مركزية الصبر

مركزية الصبر

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

لا يكابد ‏الإنسان المكاره التي حفّت بها الجنة، ولا يتجنّب الشهوات التي حفّت بها النار إلا برحمة الله ‏تعالى وتوفيق منه، ثم بصبر لا تلين فيه العزيمة، ولا يستكين للمصاعب، والمكلف يبقى ‏مطالبًا في كل موقف ببذل جهده وطاقته فيما يتطلبه ذلك الموقف من الصبر والعقلانية، ‏وعليه فالصبر خصلة مركزية في قواعد السلوك، لا يسوغ للإنسان أن يتهاون بها..

من حكمة الله تعالى ربط الأسباب بالمسبّبات، ولو شاء لانساقت الرغائب إلى الناس ‏بلا أدنى كلفة، لكنه -لحكمته البالغة- جعل مصالح الدارين متوقّفة على جهود لا بدّ أن ‏تبذل في تحصيل المفقود، وفي حفظ الموجود، فالإنسان لا يستطيع تحصيل منافع الدارين، ‏ودفع مفاسدهما إلا بمكابدة المشاق، ومصداق ذلك قول الله تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في ‏كبد"، قال بعض السلف: "خلق حين خلق في مشقة، لا تلفى ابن آدم إلا يكابد أمر ‏الدنيا والآخرة"، وهذه المكابدة لا ينجح فيها إلا من صبر عليها، ووطّن لها نفسه، فعن ‏أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حفّت الجنة ‏بالمكاره، وحفّت النّار بالشهوات"، أخرجه مسلم، وهذا اختبار حقيقي، فلا يكابد ‏الإنسان المكاره التي حفت بها الجنة، ولا يتجنّب الشهوات التي حفت بها النار إلا برحمة الله ‏تعالى وتوفيق منه، ثمّ بصبر لا تلين فيه العزيمة، ولا يستكين للمصاعب، والمكلف يبقى ‏مطالباً في كل موقف ببذل جهده وطاقته فيما يتطلبه ذلك الموقف من الصبر والعقلانية، ‏وعليه فالصبر خصلة مركزية في قواعد السلوك، لا يسوغ للإنسان أن يتهاون بها، ولي مع ‏مركزية الصبر وقفات تتمركز حول أقسام الصبر الرئيسة، وهي: الصبر على طاعة الله، والصبر ‏عن معصيته، والصبر على النوائب والمصائب التي لا تنفك عنها الدنيا.‏.

الوقفة الأولى: الصبر على طاعة الله تعالى، فلا يمكن الإتيان بالأوامر الشرعية إلا ‏بالصبر على ما تحمله من التكاليف، وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك في بداية ‏نزول الوحي عليه، فقد قال تعالى له في سورة المزّمل -وهي من أوائل السور نزولاً-: "إنّا ‏سنلقي عليك قولًا ثقيلًا"، قال بعض السلف: "تثقل والله فرائضه وحدوده"، وما هذا الثّقل ‏إلا لكون العبادة من حق الله تعالى على عباده وهو حقّ عظيم لا يسع المخلوقات استقصاؤه، فقد وصف الله تعالى ملائكته بقوله "لا يستكبرون عن عبادته ولا ‏يستحسرون، يسبّحون الليل والنهار لا يفترون"، ومع ذلك يعترفون بأنهم لم يعبدوه حقّ ‏العبادة، فيقولون يوم القيامة: "سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك"، كما ورد في حديث ‏صحّحه الحاكم، ولكن الله تعالى تفضّل على المسلمين بإثابتهم على عبادته، وخفّف علينا في ‏هذه الشريعة السمحة، فكانت تشريعاتها مصحوبة بالتيسير ورفع الحرج، كما قال تعالى: "ما ‏يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم وليتمّ نعمته عليكم لعلّكم تشكرون"، ‏وفي هذا التيسير تنبيه على وسطية واعتدال الشرع الحنيف، فالحرج مرفوع، ولا تكليف بما لا ‏يطاق، فلم يكلّف فاقد الماء بالوضوء، ومع ذلك شرع له بديل عنه يعدّ طهرةً له، ثم ‏إن الصبر على تحصيل المنفعة الدينية بتطبيق الأوامر، يوازيه الصبر على تحصيل منافع المعاش ‏على الوجه المأذون فيه شرعاً ونظاماً، وإنما يصل إلى النتائج من صبر على مشقّة الوسائل، ‏كما قال القائل:‏

لا تحسب المجدَ تمرًا أنتَ آكله

لن تبلغَ المجدَ حتّى تلعق الصّبرا

الثانية: الصبر عن المعصية، فالمعاصي تدعو إليها النفس الأمّارة بالسوء، ويغري بها ‏الشيطان الذي أقسم ليغوينّ بني آدم إلا عباد الله المخلصين، وتتعلق بها مآرب عاجلة يفتتن ‏بها أغلب الناس، فلا يتأتّى الانكفاف عنها إلا بتوفيق من الله تعالى، ثمّ بالصبر المستمر، ‏لكن عاقبة الصبر عنها محمودة؛ وقد قال تعالى: "إنّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب"، ‏والانكفاف عن المعاصي ليس حرماناً للنفس من المنافع، فالمنافع مباحة، وللمسلم فيها ‏فسحة في كل ما رجحت فيه المصلحة المعتبرة شرعاً، أما المعصية التي يتخيلها الإنسان ‏منفعة، فهي مضرّة، وفي تجنّبها مصلحة الدنيا والدين، وكما أن الإنسان يحقق مصالح معاده ‏ويدرأ مفاسده بالصبر عن المعاصي، فيصلح معاشه بالصبر عن الأخطار والمحذورات الفكرية ‏والحسّية، مع أنها مندرجة في المعاصي؛ إذ لا يأذن الشرع للإنسان في أن يقدم على ما يهدّد ‏سلامته وسلامة المجتمع.‏

الثالثة: الصبر على المكاره والنوائب والمصائب التي تشوب الحياة، وهو من صميم ‏الإيمان بقضاء الله وقدره، ومن مظاهر قناعة المؤمن أن الحياة الحقيقية هي الحياة الأخرى، ‏وأن نجاته فيها بدخوله الجنة هي المكسب الأغلى، ومن ظفر به نسي متاعب الدنيا وأهوالها، ‏ففي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "ويؤتى بأشدّ الناس بؤسًا في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ‏ابن آدم هل رأيت بؤسًا قطّ؟ هل مرّ بك شدّة قطّ؟ فيقول: لا، والله يا ربّ ما مرّ بي بؤس ‏قطّ، ولا رأيت شدّةً قطّ"، متفق عليه، وكما تتحقق مصالح المعاد وتندرئ مفاسده بالصبر ‏على المكاره، كذلك الحال بالنسبة للمعاش، فالإنجاز فيه يحتاج إلى صبر على المكاره التي ‏تتمثّل في معاملات الناس وإيذاء المؤذين منهم، والشجاعة في مواجهة التحدّيات، وصدق ‏من قال:‏

لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُم

الْجُودُ يُفْقِرُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ..

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة