أسعار البترول.. في ظل عدم اليقين
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
تقارير.. رحيل رينارد عن تدريب الأخضرد. عبدالله محمد الشعلان*
واصلت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن التطورات في الشرق الأوسط هيمنتها على أسواق البترول والطاقة والتي أخذت مسارًا تصاعديًا نتيجة لإغلاق مضيق هرمز، وإن انتابه بعض الانخفاض تبعًا لإشارات متضاربة حول احتمالات التوصل إلى حل دبلوماسي جعل الأسواق في حالة قلب وترقب. وظلت المعنويات في السوق تبدو هشة، مع تأرجح السوق بين الآمال والمخاوف بشأن الوضع الجيوسياسي. وبالنظر إلى المستقبل، فإن مسار أسعار البترول يعتمد بشكل كبير على كيفية تطور الوضع الجيوسياسي للأحداث الراهنة، فإذا تراجعت التوترات وأُعيد فتح طرق إمداد الطاقة، فقد تنحسر المخاوف بشأن التضخم، مما يسمح للأسعار بالعودة لأسعارها الاعتيادية وإلا فلا مناص من التضخم مع التصعيد الذي سينعكس أثره بلا شك على أسعار المواد وسلاسل الإمداد العالمية وتكاليف إنتاجها وشحنها وتأمينها وإيصالها لوجهاتها سليمة آمنة.
وقد يظهر الارتفاع المفاجئ في أسعار البترول أن السوق قد قلل من أهمية تصريحات الرئيس ترمب الأخيرة باعتبارها خطوة استراتيجية للسيطرة على تكاليف الطاقة وقد تظل الحقيقة كما هي رغم ادعاء الرئيس بوجود مفاوضات مثمرة مع نفي طهران رسميًا إجراء أي محادثات، فيما تستمر القضايا الجوهرية للصراع، بما في ذلك حصار مضيق هرمز، دون انقطاع. ثم يأتي إعلان الرئيس الأميركي عن تأجيل الضربات العسكرية الأميركية ضد البنية التحتية للطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام في أعقاب محادثات وصفها بالمثمرة والإيجابية مع إيران، وأنه أصدر تعليمات للبنتاغون بتأجيل الضربات، شريطة نجاح المناقشات الجارية، بالرغم من أن الإيرانيين أعربوا عن شكوكهم تجاه فرص نجاح المسعى الدبلوماسي لترمب، حيث أشاروا إلى أنه يبدو محاولة لتهدئة أسعار البترول التي تراجعت بشكل حاد بعد قول الرئيس إن هناك تقدماً في المحادثات، وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال. كما أعرب مسؤولون عرب أجروا محادثات منفصلة مع كلا الجانبين عن شكوكهم حيث وضعت إيران سقفًا مرتفعًا لمطالبها لإنهاء الأعمال العسكرية، الأمر الذي يمنع المناقشات من اكتساب الزخم، بحسب الصحيفة. ويبدو أن الرئيس ترمب غير قادر على إيجاد مخرج قابل للتطبيق وللخروج من هذا الصراع (بافتراض أنه يريد ذلك) دون تحقيق هدف استراتيجي رئيس تفتقر إليه الإدارة الأميركية على شكل نصر واضح سواءً أكان ذلك في الفشل في إخماد القدرات الصاروخية الإيرانية أو الإخفاق في تغيير النظام، أو لإعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا قبل الحرب، وبناءً على ذلك كان النهج الأكثر وضوحاً هو محاولة التأثير على السوق بغية هدف خفض أسعار البترول بشكل مصطنع رغم ضآلة التقدم على الأرض في المفاوضات بين الأطراف المتحاربة. قد يدرك المتعاملون في السوق أن الوضع الميداني يظل دون تغيير حيث يحولون تركيزهم إلى المخاطر المتزايدة التي تفرضها المرحلة التالية من الصراع وتحديدًا حين يشكل احتمال استهداف البنية التحتية للطاقة الإقليمية على نطاق أوسع تهديدًا قد يستغرق حله سنوات، كما قد يبقي أسعار البترول والغاز مرتفعة لفترة أطول على سبيل المثال التأثير الذي طال مجمع رأس لفان بقطر وأدى إلى تعطيل 17 % من قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال، مما أسفر عن خسائر مادية وخلق فراغاً طويل الأمد في الإمدادات للأسواق الآسيوية والأوروبية.
السوق المتقلب
وعلى أي حال، فمن المرجح أن يظل السوق متقلبًا للغاية مع استمرار التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في إبقاء المتداولين في حالة من الترقب والقلق. وبينما يعكس التراجع الأخير تخفيفًا للمخاوف الفورية تظل بيئة المخاطر العامة مرتفعة، مما يحد من احتمالات حدوث انخفاض مستدام. وإذا ظلت الاضطرابات في البنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية محركاً رئيساً للسوق لا سيما مع بقاء مضيق هرمز مغلقاً أمام حركة الملاحة حيث يمثل هذا الممر نقطة اختناق حيوية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية عميقة فإن تلك التأثيرات ستمتد مباشرة إلى تقييد للصادرات وتقييمات للطاقة وتعطيل للحركة التجارية وتباطؤ في المسار العام للنمو العالمي. وبالتطلع إلى المستقبل، فإن جهود تهدئة التوترات وإعادة فتح مضيق هرمز قد تضغط على أسعار البترول في حال نجاحها، حيث سيؤدي استئناف حركة الملاحة الطبيعية إلى تخفيف المخاوف بشأن الإمدادات، ومع ذلك، تظل المخاطر جانحة نحو الارتفاع، وأي تصعيد متجدد أو تهديدات جديدة قد تدفع الأسعار للارتفاع بسرعة مرة أخرى مما يخلق مستويات عالية من التقلب والاضطراب في المدى القريب. ولو ظلت المخاوف الجيوسياسية في المنطقة تلقي بظلالها على المعنويات فقد يقود ذلك إلى تزايد حالة عدم اليقين ومن ثم إلى تعزيز حالة العزوف عن المخاطر مما يسفر عن تراجعات واسعة النطاق تشمل معظم القطاعات لا سيما مع تصاعد أسعار البترول والتي تقود إلى تضخم في الأسعار. وعلى الرغم من هذا التراجع، تظل الأساسيات الكامنة في الاقتصاد العالمي قوية، وهو ما قد يدعم حدوث انتعاش قوي بمجرد انحسار التوترات في المنطقة وتحسن المعنويات. كما قد يسهم تحسُّن أسعار البترول في التخفيف من حدة وتأثير التقلبات الحالية، شريطة استمرار تدفق الصادرات، مما قد يساعد في موازنة الضغوط على القطاعات الأخرى.
ونحن هنا في مملكتنا الغالية حرسها الله من كل سوء وحفظ لها قادتها الملهمين وشعبها الوفي، لطالما استعدّت لأسوأ الظروف وأحلكها على مدى عقود سلفت. لذلك، وخلال ساعات من الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولى على إيران، والتي أسفرت فعليًا عن إغلاق مضيق هرمز الحيوي مما سيؤذن بغياب مستمر لحركة الناقلات وإلى تقييد تدفقات البترول بشكل ملموس، مما يزيد من شح الإمدادات وسط مخاوف بشأن مدة هذه الانقطاعات سارعت المملكة كأكبر دولة مصدّرة للبترول الخام في العالم إلى تفعيل خطة طوارئ - خطة انتظرت ما ينوف عن أربعة عقود لتدخل حيّز التنفيذ - بهدف الحفاظ على تدفق بترولها. ويتمثل حجر الأساس في هذه الخطة في خط أنابيب بطول 1200 كيلومتر، تم بناؤه في ثمانينات القرن الماضي، وأصبح اليوم عنصرًا محوريًا فاعلًا في تطورات الصراع في الشرق الأوسط. ويمتد هذا الخط عبر شبه الجزيرة العربية، انطلاقًا من الحقول البترولية الضخمة في شرق المملكة وصولًا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر (وهي مدينة صناعية حديثة تتجمع فيها حاليًا أعداد كبيرة من ناقلات البترول لشحن الخام السعودي، مع وصول المزيد من السفن يوميًا). ويوفر مسار خط الأنابيب صمام أمان حيوي لتخفيف الضغوط المتصاعدة على إمدادات البترول العالمية، إذ يمر نحو 20 مليون برميل يوميًا - أي خُمس الاستهلاك العالمي - عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية. ومع انعدام القدرة على التصدير، اضطرت بعض الدول المنتجة إلى خفض إنتاجها. لكن المملكة التي طالما قدّمت نفسها كعامل استقرار في الأسواق المضطربة، تمتلك هذا البديل المهم. ويقول جيم كرين، الباحث في دراسات الطاقة بجامعة رايس: «يبدو خط الأنابيب الشرقي-الغربي اليوم وكأنه ميزة استراتيجية بارعة للإقتصاد العالمي بأكمله حيث يستفيد من تشغيل هذا الخط»، وأضاف: «لولا هذا المسار البديل السلس عن مضيق هرمز لكانت هناك حالة أكبر من اليأس في دعوات ترمب للحصول على دعم الحلفاء»، كما ترى كارول نخلة، الرئيسة التنفيذية في إحدى شركات الطاقة، أن مجرد وجود مسار بديل يساعد على تهدئة الأسواق وإزالة حالة التشاؤم وبعث على اطمئنان المشترين بأن صادرات البترول ليست محاصرة بالكامل. وفي هذا السياق، أكد معالي وزير المالية السعودي خلال مشاركته في أعمال النسخة الرابعة من قمة الأولوية (FII PRIORITY) المنعقدة في ميامي (مارس 2026)، على عدة نقاط جوهرية تتعلق بمتانة ومكانة الاقتصاد السعودي والخليجي معًا موضحًا أن الأزمات الحالية أثبتت قوة دول مجلس التعاون الخليجي ككتلة متكاملة وقادرة على التصدي للتحديات العالمية وأن النشاط الاقتصادي في المملكة لا يزال يسير بشكل طبيعي رغم التداعيات المتأزمة التي يشهدها الاقتصاد العالمي نتيجة التحولات الجيوسياسية وأسعار البترول في مثل هذه الظروف غير الثابتة وفي ظل حالة عدم اليقين.
*جامعة الملك سعود