اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

من يقود الإبداع في عصر الخوارزميات؟

من يقود الإبداع في عصر الخوارزميات؟

klyoum.com

د. هناء بنت راشد الشبلي *

في ظل التحولات الثقافية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، يأتي صدور الأمر الملكي بتأسيس جامعة الرياض للفنون بوصفه خطوة نوعية تعكس عمق الاهتمام الرسمي بالثقافة والفنون باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء الإنسان وتعزيز الهوية الحضارية للمملكة.

ويأتي هذا المنجز الثقافي امتدادًا للدعم الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -أيده الله- وبرؤية طموحة يقودها مهندس الرؤية 2030 ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-. والتي جعلت الثقافة والصناعات الإبداعية جزءًا أصيلًا من مسار التنمية الوطنية. كما يعكس هذا الإنجاز الجهود الكبيرة التي يقودها سمو الأمير بدر بن فرحان وزير الثقافة، الذي أولى قطاع الثقافة والفنون اهتماماً استراتيجياً وعمل على تفعيل مستهدفات الرؤية عبر بناء مؤسسات ثقافية راسخة وتطوير البنية التعليمية والإبداعية وتمكين المواهب الوطنية بما يفتح آفاقًا جديدة للفنانين والمبدعين السعوديين.

ويمثل صدور الأمر الملكي بتأسيس جامعة الرياض للفنون خطوة تاريخية في المشهد الثقافي السعودي ويعكس رؤية واضحة تجعل الفنون جزءاً أساسياً من مشروع وطني شامل يسعى إلى بناء الإنسان وتعزيز الاقتصاد الإبداعي والحضور الحضاري للمملكة عالميًا.

وإن إنشاء جامعة متخصصة في الفنون لا يعني مجرد توسع في التعليم العالي بل إعلان عن مرحلة جديدة تصبح فيها الثقافة والفنون رافداً استراتيجياً للنمو والابتكار ومتسقاً مع أهداف رؤية السعودية 2030 التي جعلت الثقافة والصناعات الإبداعية محوراً أساسياً في التنمية.

فالجامعة سيكون لها أهميتها على مستويات متعددة:

تجمع الجامعة تحت مظلتها تخصصات فنية متعددة، تشمل الفنون البصرية، المسرح، السينما، الموسيقى، التصميم والفنون الرقمية. هذا التحول ينقل الفن من التجارب الفردية إلى المعرفة الأكاديمية المؤسسية، ما يتيح البحث والتجريب وتطوير المهارات بشكل منهجي.

الفنون ليست مجرد تعبير جمالي بل صناعة حقيقية قادرة على توليد فرص العمل وتحريك الصناعات الثقافية والإعلامية والترفيهية، والجامعة تمثل منصة لتخريج الكفاءات القادرة على قيادة هذا القطاع.

وجود جامعة متخصصة يتيح اكتشاف ورعاية المواهب المحلية وتوفير برامج تعليمية متقدمة، ويقلل الاعتماد على الابتعاث في التخصصات الفنية.

الجامعة تعزز مكانة العاصمة كمركز إقليمي للفنون والصناعات الإبداعية، بما يساهم في تحويل الرياض إلى وجهة ثقافية وفنية عالمية رائدة.

لكن هناك تحديات في عصر الذكاء الاصطناعي. فـ“الوحش الخوارزمي” الذي يفرض أسئلة صريحة على التعليم الفني، إذ أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج الصور والتصاميم والموسيقى في ثوانٍ، مما يغير قواعد اللعبة في الفن والإبداع الرقمي.

ومع إعلان المملكة هذا العام «عام الذكاء الاصطناعي» من حقنا كمختصين بالفنون الرقمية أن نتساءل: كيف ستصمم جامعة الرياض للفنون مناهجها لتواكب هذه التحولات الجذرية؟

إذاً لا بد أن تكون مناهج الجامعة مواكبة لهذا التحول، وأن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي وأداة معرفية، بحيث يتعلم الطلاب كيف يوجهون التقنية بدلاً عن منافستها، ويصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من بيئة الإبداع لا مجرد أداة مساعدة.

وأن تعتني بالمهارات المستقبلية للفنانين فالمستقبل يحتاج إلى مفكرين بصريين ومبدعين مفاهيمياً قادرين على توجيه التقنية، بدل التركيز على المهارات التقنية التقليدية فقط.

مع ضرورة أن تهتم الجامعة بالبحث العلمي في الفن بحيث ترتبط الجامعة بمختبرات بحثية تجمع بين الفنون والتقنية، لتصبح منصة لتطوير أدوات جديدة بدلاً عن الاكتفاء باستهلاك المعرفة الجاهزة.

كما تبرز أهمية حماية الملكية الفكرية، إذ إن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على صور ملايين الأعمال الفنية يطرح تحديات قانونية وأخلاقية مما يجعل مسألة حقوق الفنانين وأخلاقيات التقنية جزءاً أساسياً من المناهج.

أما مخرجات الجامعة فينبغي أن تكون متعددة المسارات فلا تقدم للمجتمع مصمماً تقليدياً بل تخرج مصممي تجارب رقمية وتفاعلية، باحثين في الفن والتقنية، وقادة للصناعات الإبداعية.

وختاماً.. يعد تأسيس جامعة الرياض للفنون إنجازاً ثقافياً يستحق الاحتفاء لكنه في الوقت ذاته يحمل المسؤولين فيه مسؤولية كبيرة. فالتحدي الحقيقي ليس في تعليم الطلبة كيف يرسمون أو يصمم بل في كيفية إعداد جيل قادر على قيادة التقنية بدلاً من اللحاق بها وفهم معنى الفن الإنساني في عالم تغيرت فيه أدوات الإبداع بشكل جذري.

وإذا أجابت الجامعة على هذه الأسئلة بوعي فكري وحققت هذه الرؤية الاستشرافية وقضت على مخاوفنا، فإنها لن تكون مجرد مؤسسة لتدريس الفنون، بل ستتحول إلى منارة معرفية ومختبر ثقافي يسهم في استشراف مستقبل الإبداع وتطويره في العالم العربي ويمنح الأجيال القادمة فضاء أوسع ليكتبوا من خلاله فصلاً جديداً من الحضور الثقافي السعودي.

السعودية للفنون التشكيلية

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة