اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

ثقافتنا.. حكاية وطن ترويها الصناعات الإبداعية

ثقافتنا.. حكاية وطن ترويها الصناعات الإبداعية

klyoum.com

نهر عبد الوهاب حريري *

في اليوم الوطني، لا نحتفل بتاريخٍ مضى بقدر ما نحتفي بقصة ما زالت تُكتب. وتتجدد هذه القصة بكل ما تحمله من إرثٍ ثقافي وقيمٍ إنسانية وإنجازات. ولعل شعار «عزنا بطبعنا» يختصر جانبًا من هذه الحكاية؛ فالعز ليس في المنجزات وحدها، بل في الإنسان السعودي، في أصالته وكرمه وشجاعته وهمّته، وفي القيم التي توارثتها الأجيال.

واللافت اليوم أن التعبير عن الوطن لم يعد محصورًا في الكلمات والشعارات؛ أصبحنا نراه في فيلم قصير، ونسمعه في أغنية، ونكتشفه في تصميم مستوحى من التراث، ونستلهم منه الأزياء والعمارة والفنون، وحتى في اللهجات التي تحمل ذاكرة المكان.

وهنا تلتقي الهوية بالصناعات الثقافية والإبداعية؛ فالثقافة التي نعيش تفاصيلها بصورة طبيعية يمكن أن تتحول، حين تصل إلى المبدع، إلى فيلم أو موسيقى أو تصميم أو قصة أو تجربة رقمية تسافر أبعد منا. وما يبدو لنا تفصيلًا محليًا مألوفًا قد يصبح نافذة يتعرف من خلالها شخص في الطرف الآخر من العالم إلى السعودية.

وهذا، في رأيي، أحد أجمل أشكال تصدير الثقافة؛ أن يعرفنا العالم من خلال ما نصنعه ونرويه عن أنفسنا.

ولعل أفلام اليوم الوطني تقدم نماذج معبّرة عن ذلك. ففي فيلم «حزام.. ميراث العز»، لا يظهر الوطن من خلال المشاهد الاحتفالية وحدها، بل عبر حكاية إنسانية لابن يحمل إرث والده ويستمد منه الشجاعة والعزيمة. إنها قصة سعودية في تفاصيلها، وإنسانية في مشاعرها؛ تتحدث عن الأب والابن والوفاء والطموح، وعن الأثر الذي يتركه الإنسان فيمن يأتي بعده. وهي معانٍ يمكن أن تصل إلى المتلقي مهما اختلفت ثقافته أو لغته.

وفي «ديرتنا لهجتها موسيقى»، تتحول اللهجات السعودية إلى جزء من الحكاية. فمن نجد إلى الحجاز، ومن الجنوب إلى الشمال والشرق، تختلف النبرات والكلمات، لكنها تجتمع داخل هوية وطنية واحدة. وهنا لا تعود اللهجة مجرد وسيلة للتواصل، بل تصبح تعبيرًا عن التنوع الثقافي، وعن ذاكرة المكان والإنسان.

أما فيلم «ثقافتنا.. جذور ممتدة وألوان مزدهرة»، فيحمل فكرة لا تقل أهمية؛ وهي أننا لسنا مضطرين إلى الاختيار بين التراث والمستقبل. يمكن أن نكون معاصرين ونحن نحمل جذورنا معنا، بل يمكن لهذه الجذور نفسها أن تصبح مصدرًا للإبداع في السينما والموسيقى والتصميم والأزياء والفنون.

وهذا ما تمنحه الصناعات الثقافية والإبداعية للهوية؛ فهي لا تكتفي بحفظ التراث، بل تعيد تقديمه بلغة العصر، وتفتح أمامه مساحات جديدة للحضور والانتشار.

تخيلوا أن يشاهد شخص في دولة بعيدة فيلمًا سعوديًا، فيلفت انتباهه بيت نجدي، أو إيقاع محلي، أو قطعة أزياء، أو حكاية تاريخية. يبدأ فضوله بصورة، ثم يبحث عن قصتها، وعن المكان الذي جاءت منه، وربما يرغب يومًا في زيارته. تلك الرحلة الصغيرة، من مشهد على الشاشة إلى اهتمام بثقافة بلد كامل، تكشف جانبًا من قدرة الإبداع على تجاوز الحدود.

ومن هنا تبرز أهمية العلامة الثقافية للدولة؛ فهي لا تتشكل بشعار واحد أو حملة واحدة، وإنما تتراكم صورتها في أذهان الآخرين من خلال ما يصل إليهم من قصص وتجارب: فيلم سعودي يشاهدونه، وأغنية يسمعونها، ورواية يقرؤونها، وتصميم يقتنونه، أو مكان تراثي يزورونه. كل تجربة تترك أثرًا، وكل حكاية تضيف ملمحًا جديدًا إلى صورة المملكة في العالم.

ولهذا أعتقد أن التحول الأهم اليوم لا يكمن في التعريف بتراثنا فحسب، بل في قدرتنا على صناعة محتوى إبداعي يستلهم هذا التراث ويمنحه حياة جديدة.

فهناك فرق بين أن نقول للعالم إن لدينا ثقافة ثرية، وبين أن نجعله يشاهدها في فيلم، ويسمعها في موسيقى، ويرتديها في تصميم، ويعيشها في تجربة سياحية، ويتفاعل معها عبر المنصات الرقمية.

عندها تصبح الثقافة قادرة على السفر، وتتحول الصناعات الإبداعية إلى جسر يصل هويتنا المحلية بالعالم، ويسهم في تشكيل علامة ثقافية سعودية تنبع من أصالتنا وتعكس حاضرنا وتطلعاتنا.

ومن هذا المنظور، يصبح اليوم الوطني أكثر من مناسبة للاحتفال؛ إنه فرصة نعيد فيها رواية قصتنا لأنفسنا أولًا، ثم نقدمها إلى العالم. فالدول، مثل البشر، لا تُعرف بالأرقام والمنجزات وحدها، بل بالقصص والصور والأصوات التي تبقى عنها في الذاكرة.

هويتنا هي ما نحمله في داخلنا، وثقافتنا هي الطريقة التي نعبر بها عنها، والصناعات الإبداعية هي التي تمنحها القدرة على الوصول إلى العالم. أما العلامة الثقافية للسعودية، فهي الأثر الذي يبقى بعد أن تصل الحكاية.

أكاديمية وباحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي والاتصال الثقافي*

X: @nahrhareeri

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com