ما تحرّكه الثقة
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
القوات اليمنية تفشل هجوما حوثيا باتجاه طريق عدن - لحج - تعزد هاني بن محمد ابوراس
تتوزع وظائف المؤسسات العامة ذات الدور المالي بين تقديم الخدمة مباشرةً حين تستدعي الحاجة ذلك، وتمكين السوق من أدائها، ويُقاس الفرق بين المسارين بطبيعة الدور داخل العملية الاقتصادية، فإما أن تشارك المؤسسة في النشاط، وإما أن تجعل الجهات الأخرى قادرةً على التوسع فيه.
ويتحقق الدور المالي التمكيني بأدوات غير مباشرة، فالتمويل يفتح مساراً للنشاط حين تقل أمامه الخيارات، والضمان وتأمين الائتمان يخففان جزءاً من المخاطر التي قد تمنع الصفقة أو تؤخرها، وفي هذه الحال لا تُقاس القيمة بما تدفعه المؤسسة وحدها، بل بما تجعله ممكناً لدى غيرها بعد أن تزيل عائقاً كان يحول دون القرار.
غير أن قيمة هذه الأدوات لا تظهر دائماً بالسهولة نفسها التي يظهر بها الإنفاق المباشر، فأنظمة القياس في الإدارة العامة تميل إلى إظهار ما يُنفّذ مباشرةً أكثر مما يُحرّك عبر الآخرين، وهي تحسن عدّ ما أُنفق وما أُنجز وما سُلّم، لأن هذه نتائج يسهل إسنادها إلى من نفذها، أما التمويل الذي تحرّك لدى أطراف أخرى بفعل هذا التدخل، فلا يظهر ضمن ما يُحتسب، مع أن ما أحدثه في قرار الممول يمثل جزءاً من النتيجة.
وهنا يبدأ الاختلال في قراءة الأداء. فتبدو مساهمة هذه المؤسسة أكبر حين تتولى العمل بنفسها، وأقل حين يتسع ما يؤديه غيرها بدافع منها، وكلما نجحت في توسيع قدرة الفاعلين في الاقتصاد، تراجع ما يظهر باسمها مباشرةً، لأن النتيجة تجاوزت نطاقها المؤسسي إلى الاقتصاد الأوسع.
يتسع ما يغيب عن القياس إلى ما هو أبعد من مبلغ التمويل المباشر، فالثقة التي تبنيها المؤسسة قابلة للتحويل إلى قرار تمويلي، والمخاطرة التي لا يستطيع الممول تحمّلها وحده تصبح قابلةً للإدارة، وبذلك يتقدم من كان يحجم، وتتحول الصفقة المؤجلة إلى نشاط قائم. ولا يظهر هذا التحول في مؤشر واحد، مع أنه يحرّك تمويلاً إضافياً داخل الدورة الاقتصادية.
ومتى انحصر قياس الأداء فيما تدفعه المؤسسة مباشرةً، امتد أثره إلى ما بعد لحظة التقييم، فهو يوجّه خطط الغد، وتوزيع الموارد، وتقويم من يتولى الإدارة، وحين يصبح واضحاً أن ما يُحسب للمؤسسة هو ما دفعته بنفسها، يصبح التمويل المباشر طريقاً أسرع إلى أداء يبدو أفضل عند القياس، ولو كان توسيع قدرة السوق أعمق أثراً.
فحين تجعل المقاييس الإنفاق المباشر أساساً للنجاح، تبتعد المؤسسة تدريجياً عن غرضها التأسيسي من غير أن يصدر قرار بذلك. فلا يُعلن أحد التخلي عن التمكين، لكن الميزانيات تتجه إلى ما يظهر في القياس، والكفاءات تنجذب إلى ما يُكافأ، فتتحول الجهة بمرور الوقت إلى ممول بين الممولين، بعد أن أُنشئت لتوسيع قدرة السوق على التمويل وتحمل المخاطر.
في المقابل لا تتحدد قيمة النجاح بما يظهر باسم المؤسسة، بل بما تحقق في النشاط. فالمصنع الذي وجد تمويله، والمشروع الذي بدأ نشاطه، والوظيفة التي نشأت، نتائج اقتصادية مكتملة، سواء جاء المال من جهة عامة أو من ممول خاص قرر تقديمه بعد أن شجعته الأداة. والفارق بين الحالين في مصدر الدفع، لا في قيمة ما تحقق.
مع ذلك لا يصح أن يُنسب إلى المؤسسة التمكينية كل ما جرى حولها. فارتباط الصفقة بتمويل أو ضمان أو تأمين الائتمان لا يكفي وحده لإثبات الإسهام، والعبرة بمقدار ما غيّره التدخل في قرار الممول. وإذا لم يثبت أنه جعل التمويل ممكناً، أو حسّن شروطه، أو عجّل توقيته، أو خفف خطراً كان يمنع الصفقة، فلا تدخل النتيجة كاملةً في الحساب. وبهذا الانضباط يصبح قياس الأثر تقديراً يمكن الدفاع عنه، لا مبالغة في نسبة النتائج إليها.
بهذا المعنى، فإن تحديد ما يُحتسب نجاحاً لا يصف الأداء فقط، بل يوجّه سلوك الجهات، فكل تعريف للإنجاز يصنع معه نمطاً مؤسسياً بعينه، بين نمط يحل محل السوق وآخر يوسع قدرته، والفارق لا يقاس بحجم ما دفعته الجهة وحدها، بل بمقدار ما جعلت غيرها قادراً على فعله. فإذا اقتصر القياس على الإنفاق المباشر، اتجهت إلى تفضيل ما تدفعه على ما تحرّكه.