اخبار فلسطين

بي بي سي عربي

سياسة

"لم يعد هناك أمان"، فلسطينيون يحذرون من تصاعد عنف مستوطنين في الضفة الغربية

"لم يعد هناك أمان"، فلسطينيون يحذرون من تصاعد عنف مستوطنين في الضفة الغربية

klyoum.com

يقول برهان عمر، وهو يقف وسط أنقاض فيلته الكبيرة التي التهمتها النيران بعد أن هاجمها مستوطنون إسرائيليون الأحد الماضي: "هذا الهجوم لم يكن يستهدف فقط حرق المنازل، بل القتل أيضاً، قتل النساء والأطفال."

ويضيف، وصوته يختنق من الدموع، "جاءوا بأعداد كبيرة. كان هذا إرهاباً منظماً. المخيف أنك تكون جالساً في بيتك مع أطفالك، وفجأة، يبدأ إطلاق النار".

وأكد برهان، مدير بنك فلسطيني، أن المستوطنين أطلقوا النار على منزله في دير الحطب قرب نابلس، إضافة إلى إشعال النار فيه، وأنه وأطفاله نجوا بصعوبة بالغة بعد أن صعدوا فوق سطح المنزل.

وتشهد الضفة الغربية المحتلة موجة جديدة من عنف المستوطنين خلال الأيام الأخيرة. ففي الهجوم على قرية دير الحطب وحدها، أُصيب ما لا يقل عن عشرة أشخاص، معظمهم جراء الحجارة التي أُلقيت عليهم، بينما أُصيب رجل بطلق ناري في قدمه.

وتُعد هذه القرية من المناطق التي لم تشهد هجمات بهذا الحجم من قبل، على عكس مناطق أخرى في الضفة الغربية اعتادت مثل هذه الموجات.

وجاء الهجوم عقب جنازة الشاب الإسرائيلي يهودا شيرمان في مستوطنة ألون موريه القريبة، والتي شارك فيها مئات المشيعين وعدد من كبار السياسيين الإسرائيليين.

وكان الشاب البالغ من العمر 18 سنة قد قُتل عندما اصطدمت سيارته المجهزة للسير في الطرق الوعرة — بحسب تقارير — بشاحنة صغيرة يقودها فلسطيني قرب البؤرة الاستيطانية التي كان يعيش فيها.

ويعتقد المستوطنون أنه تعرض لهجوم متعمد، بينما يؤكد الفلسطينيون أن الحادث كان عرضياً.

الأكثر قراءة نهاية

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

ومنذ اندلاع الحرب مع إيران، شهدت الضفة الغربية تصاعداً جديداً في اعتداءات المستوطنين المتطرفين. وبينما ينشغل العالم بمتابعة الصراعات الإقليمية الجديدة، قُتل ستة فلسطينيين على يد مستوطنين، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة.

وفي حادثة صادمة أخرى قبل أسبوعين، اتهم سكان خربة حمصة في الأغوار الشمالية مستوطنين بالاعتداء الجنسي على أحد الرجال وضرب آخرين أثناء إجبارهم على مغادرة الأرض. ومنذ ذلك الحين، أعلنت الشرطة الإسرائيلية اعتقال سبعة أشخاص.

وتأتي هذه الحادثة ضمن موجة عنف متصاعدة ظهرت مع اندلاع حرب غزة، إذ شهدت تلك الفترة تسارعاً حاداً في اعتداءات المستوطنين وتوسع المستوطنات، بدعم حكومي إسرائيلي مباشر.

وسجل التوسع الاستيطاني والموافقات التخطيطية رقماً قياسياً العام الماضي منذ أن بدأت الأمم المتحدة رصد هذه الأنشطة.

وتُعد جميع المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، بينما تُقام البؤر الاستيطانية دون موافقة رسمية من الحكومة الإسرائيلية.

ويقول يائير دفير، المتحدث باسم منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية: "المستوطنون يرون السنوات الثلاث الماضية فرصة سانحة، وبعضهم يقول إن هذا زمن المعجزة. ما نشهده الآن على الأرض هو استمرار لحملة التطهير العرقي التي تنفذها إسرائيل".

وتنفي إسرائيل بشدة أن تكون أفعالها ترقى إلى مستوى التطهير العرقي بحق الفلسطينيين. ومؤخرًا، أشارت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن "عمليات النقل القسري التي يبدو أنها تهدف إلى تهجير دائم تثير مخاوف جدية بشأن التطهير العرقي".

وكان مستوطنون يركزون بصفة أساسية على ما يُعرف بالمنطقة "ج" في الضفة الغربية، وهي المنطقة التي احتفظت فيها إسرائيل بالسيطرة الأمنية والإدارية الكاملة بعد اتفاقيات أوسلو للسلام عام 1993.

وقسّمت الاتفاقيات الأراضي بشكل مؤقت، كما كان مخططاً له في ذلك الوقت، إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج"، بحيث تخضع المنطقتان "أ" و"ب" لسيطرة مدنية فلسطينية مع إشراف أمني إسرائيلي جزئي، بينما بقيت المنطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تم تهجير ما لا يقل عن 4765 فلسطينياً من 97 موقعاً بين يناير/ كانون الثاني 2023 ومنتصف فبراير/ شباط 2026 بسبب عنف المستوطنين.

وكان معظم المهجرين من التجمعات البدوية والرعوية في المنطقة "ج". وفي مطلع هذا العام وحده، أُجبر 600 شخصاً على مغادرة قرية بدوية واحدة هي رأس عين العوجا في الأغوار.

والآن، يتزايد تركيز عنف المستوطنين على القرى الفلسطينية المبنية — مثل دير الحطب — الواقعة في المنطقة "ب"، حيث تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية بينما تتولى السلطة الفلسطينية الصلاحيات المدنية.

وقالت أليغرا باتشيكو، رئيسة برنامج "اتحاد حماية الضفة الغربية" — وهو شراكة بين منظمات دولية غير حكومية مدعومة من جهات مانحة أجنبية: "في المناطق التي هُجرت منها التجمعات الفلسطينية في المنطقة 'ج'، نشاهد الآن المرحلة التالية. المستوطنون يتحركون غرباً نحو مناطق 'ب' لمواصلة تحقيق هدفهم الذي يتمثل في إفراغ هذه الأرض".

وأضافت: "هذه سياسة متعمدة، وليست تصرفات عشوائية أو مجرد سلوك سيء من قبل بعض الشباب. إنها تأتي من أعلى المستويات. والهدف هو إفراغ هذه المناطق (من الفلسطينيين) لتمكين إسرائيل من ضمها، وتوسيع المستوطنات، واستنزاف هذه الأراضي من الفلسطينيين."

ويُعد وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش — والذي ينتمي إلى مجتمعات المستوطنين — أحد أبرز مهندسي سياسة الحكومة تجاه الاستيطان. وفُرضت عليه عقوبات من المملكة المتحدة ودول أخرى بسبب تحريضه على العنف في الضفة الغربية.

وأعلن الوزير صراحة أنه يخطط "لدفن فكرة الدولة الفلسطينية"، وبالفعل اتخذ خطوات غير مسبوقة لتعزيز قبضة إسرائيل على الضفة الغربية، إذ يطالب المستوطنون بحقوقٍ دينيةٍ وتاريخيةٍ في الأراضي الفلسطينية. وأعلن مساحات شاسعة باعتبارها "أراضي دولة" (إسرائيلية)، مؤكداً أنه وافق بأثر رجعي على إعطاء صفة الشرعية لـ69 مستوطنة جديدة.

وأثناء جنازة يهودا شيرمان، وصف سموتريتش اتفاقيات أوسلو بأنها "عار"، داعياً إلى إسقاط السلطة الفلسطينية التي أُنشئت بعد معاهدة السلام. وأضاف: "سنُعمر كل أرضنا في جميع الأنحاء".

في المقابل، أدان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الفريق هرتسي زامير الأسبوع الماضي عنف المستوطنين بشدة، واصفاً إياه بأنه "غير مقبول أخلاقياً" ويشكل خطراً على الأمن.

ومع ذلك، يواجه الجيش الإسرائيلي انتقادات متزايدة بسبب مشاركته في بعض الهجمات، أو وقوفه متفرجاً، أو فشله في ملاحقة المسؤولين عنها.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه ينظر "بجدية" إلى عنف المستوطنين الذي أعقب الجنازة، لكن سكان دير الحطب اشتكوا من أن الجنود في برج المراقبة القريب تجاهلوا الحشد الذي اقتحم القرية، وأعاقوا وصول سيارات الإسعاف والإطفاء.

ولا يزال السكان هناك يخشون تكرار العنف.

من فوق سطح منزله المحترق، يشير سامر عمر — وهو أب لأربعة أطفال — إلى مسار جديد شُق على تلة قريبة، حيث يخطط المستوطنون لإقامة بؤرة استيطانية جديدة.

ويقول بحزن: "سنكون محاصرين في وقتٍ قريبٍ. لم يعد هناك أي أمان. أريد أن أرفع الجدار أربعة أو خمسة أمتار، لكن هل يجدي ذلك نفعاً؟ الله يحفظ الجميع".

أما جاره برهان عمر، مدير البنك، فيتحدث بتحدي واضح، محذراً من خطر "اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة" مع تزايد الضغوط.

وقال برهان عمر: "على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يعرف أننا لن نقف متفرجين. الشعب الفلسطيني سيبقى صامداً، وسوف يدافع عن أرضه وحياته."

*المصدر: بي بي سي عربي | bbc.com
اخبار فلسطين على مدار الساعة