اخبار فلسطين

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

مَن هو مركز العالم؟! ..

مَن هو مركز العالم؟! ..

klyoum.com

في إحدى المناسبات خارج مدينتي.. جلست إلى طاولة فارغة.. وما هي إلا دقائق.. حتى انضم إليّ أشخاص لم أكن أعرفهم من قبل.. كان بينهم لواء متقاعد.. وطبيب.. ومهندس.. ومحام.. ورجل يعمل في القطاع المالي..

وأحمد الله.. أن المكان لم تكن فيه الموسيقى صاخبة.. فبدأت الأحاديث تتنقل بيننا.. وكلما تحدث أحدهم عن عمله وتخصصه.. شعرت أنني أمام مركز جديد للعالم.. فكل مهنة تبدو الأهم.. وكل مؤسسة لا تكاد تستقيم من دون ذلك الشخص..

ولم أستطع منع نفسي من تذكر أصدقائي.. فمنهم المراسل.. والعامل البسيط.. وسائق التكسي.. وحين يتحدث كل واحد منهم عن عمله.. أجد الصورة ذاتها تتكرر.. وكأن لكل منا عالماً يدور حوله.. وموقعاً لا يمكن الاستغناء عنه..

فهل نحن جميعاً نبالغ في تقدير أنفسنا؟!.. أم أننا نرى أعمالنا من الداخل.. بكل ما فيها من تعب وتفاصيل.. بينما نرى أعمال الآخرين من الخارج.. فلا ندرك حقيقتها كاملة؟!..

لا أرى في اعتزاز الإنسان بعمله عيباً.. بل إن غياب هذا الشعور.. قد يكون بداية التقصير.. لكن المشكلة تبدأ حين نخلط بين أهمية العمل.. وأهمية صاحبه.. فنظن أن تميزنا في أداء مهمة ما.. يجعلنا أهم من غيرنا.. أو أن ما نقوم به.. لا يستطيع أحد سوانا القيام به..

والطريف.. أن مَن يجلس أمامك.. قد يكون مقتنعاً بالفكرة ذاتها.. لكنه يراك أنت أيضاً من زاويته.. وربما يستمع إلى حديثك عن إنجازاتك.. ثم يتساءل في نفسه.. أكل هذا الذي تتحدث عنه.. يستحق كل هذه الأهمية؟!.. تماماً كما قد تتساءل أنت عن حديثه..

وهنا نحتاج إلى أن ننتبه.. فليس كل ما نراه عظيماً هو الأهم.. وليس كل ما نراه بسيطاً قليل القيمة.. فكثيراً ما تختبئ أهمية الأعمال في تفاصيل لا نلتفت إليها.. إلا حين تتعطل.. وعندها نكتشف أن ما استصغرناه.. كان جزءاً لا غنى عنه في منظومة أكبر..

والحل ليس أن يقلل أحدنا من قيمة عمله.. بل أن يعرف قيمة موقعه.. ويتقنه.. ويدرك أن نجاحه لا يكتمل.. إلا بتكامل جهده مع جهود الآخرين..

فلا ينهض مجتمع إذا اعتقد أصحاب المهن الرفيعة.. أنهم وحدهم يصنعون الفرق.. ولا تتقدم مؤسسة.. إذا انشغل العاملون فيها بإثبات مَن هو الأهم.. بدلاً من السؤال عن مدى إتقانهم لأعمالهم.. ولا يبنى وطن.. إذا تحولت الوظائف والمناصب إلى سباق في تعظيم الذات..

إن أجمل ما يمكن أن يشعر به الإنسان.. أن يعرف أنه على ثغرة من ثغور وطنه.. فلا يؤتى الوطن من قبله.. لا لأنه أهم من سواه.. بل لأنه مسؤول عن موقعه.. وأن تقصيره.. قد يضعف منظومة كاملة..

وهذا يعني أن يؤدي المسؤول واجبه.. وأن يتقن الطبيب عمله.. وأن يحسن المهندس أداءه.. وأن يخلص الموظف في خدمته.. وأن يؤدي العامل مهمته بإتقان.. وأن يحترم كل واحد منهم ما يقدمه الآخر.. مهما اختلفت المهنة.. أو المنصب.. أو المكانة الاجتماعية..

لكن تذكّروا.. أن الشعور بأهمية العمل.. لا يعني أننا نتقنه بالضرورة.. وأن الاعتزاز بالموقع.. لا يعفينا من النقد والمراجعة.. فالثغرة لا تُحمى بالكلام عن أهميتها.. بل بالقيام بواجبها كما ينبغي..

لسنا مطالبين بأن نكون مراكز للعالم.. بل أن نكون جديرين بالمواقع التي نشغلها..

فالأوطان لا تنهض.. حين يعتقد كل واحد أنه الأهم.. وإنما حين يؤدي كل واحد واجبه.. كأن نجاح الوطن يبدأ من عنده.. ويعرف أن اكتمال هذا النجاح.. لا يكون إلا بالآخرين..

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار فلسطين على مدار الساعة