اخبار فلسطين

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

هذا هو الطريق

هذا هو الطريق

klyoum.com

أعادت التسريبات والتقارير عن احتمال تطعيم الحكومة بشخصيات حزبية فتح نقاش أردني حول العلاقة بين الأحزاب والسلطة التنفيذية، وما إذا كانت هذه الخطوة تمنح مشروع التحديث السياسي زخماً جديداً، وبالرغم من أننا هنا لا نتعامل هنا مع قرار حكومي معلن أو توجه مؤكد، إلاّ أنّ تداول الفكرة في المجال العام يتيح مناقشتها من حيث المبدأ، والتفكير بصوت عالٍ في جدواها، بعيداً عن الأسماء وحسابات التعديل الوزاري.

تبدو الحجة المؤيدة والفكرة الكامنة وراء ذلك واضحة وإيجابية، ذلك أنّ التحديث السياسي يحتاج إلى دفعة قوية، والأحزاب بحاجة إلى ما يقنع الناس بأن الانخراط فيها يفتح طريقاً للمشاركة في القرار، فهذا هدف مطلوب بالتأكيد، لكن السؤال يتعلق بالوسيلة: هل إدخال أفراد حزبيين إلى الحكومة يطوّر الحياة الحزبية، ويقرّبنا فعلاً من الغاية التي قام عليها مشروع التحديث؟.

بتقديري، يختزل هذا التصور مساراً سياسياً ومؤسسياً كبيراً في تعيينات فردية.

سبق أن ضمت الحكومة وزراء ينتمون إلى أحزاب، واختيروا بصفتهم الشخصية وبناءً على كفاءاتهم، غير أن ذلك لم يعنِ أنها تشكلت على أساس برنامج حزبي أو ائتلاف نيابي، مما يجعل من تكرار التجربة، ولو بأسماء جديدة وعدد أكبر، ضمن المنطق نفسه، ولن يمنحها تلقائياً مضموناً حزبياً مختلفاً.

تكمن قيمة الحزب في تصوره للسياسات العامة، وقدرته على تحويل مصالح اجتماعية وتطلعات شعبية إلى برنامج يمكن تطبيقه ومحاسبته عليه، فإذا دخل شخص حزبي إلى الحكومة من دون أن يكون برنامجه أساساً للمشاركة، فما الذي دخل معه من حزبه؟ كيف يعرف الناخب ما الذي تحقق من الخيارات التي صوّت لها، ومن المسؤول عن نجاحها أو إخفاقها؟

لهذا يصبح المعيار هو حضور البرنامج في القرار الحكومي، وصولاً إلى حكومة تنبثق عن أغلبية نيابية حزبية أفرزها صندوق الاقتراع، وذلك هو الأفق الذي رسمه الملك للتحديث السياسي، ضمن مسار تدريجي يربط تطور الأحزاب بتطور الحياة البرلمانية. أما استعجال هذه النتيجة عبر توزير أفراد، فقد يضر بجوهر الفكرة، إذ يمنح الطامحين رسالة مؤداها أن الحزب وسيلة لتحسين فرص التعيين، ويحوّل اهتمام القيادات إلى ترقب الحقائب، ويضع الكتل النيابية أمام ارتباك في علاقتها بالحكومة ورقابتها عليها.

إذا أردنا – بالفعل - تعزيز دور الأحزاب وقوتها لتكون هي العمود الفقري للحياة السياسية والبرلمانية وتشكيل الحكومات مستقبلاً، بما يخرجنا من الفردية والعلاقات الشخصية والارتجالية في السياسات الحكومية وتشكيل الحكومات ابتداءً، فإنّ التركيز الناجع هو على البيئة التي تعمل فيها الأحزاب: تشريعات تيسّر المشاركة، وممارسات تحمي استقلالها، وخطاب رسمي وإعلامي يعترف بالتعددية والاختلاف.

المطلوب، بدايةً، أن تقوم الحكومة أيضاً بفتح نقاش جاد مع الأحزاب حول بدائلها ومقترحاتها، وإتاحة المعلومات اللازمة لصياغة برامجها، بما يعزز دورها في المجال العام، وأن يقاس الدعم هنا بتوسيع قدرتها على العمل المستقل، وبثقة المواطنين بجدوى المشاركة السياسية وقدرتها على إحداث تغيير.

تتحمل الأحزاب، في المقابل، مسؤولية كبيرة. أمامها مسافات في المأسسة والديمقراطية الداخلية، وفي بناء فرق تعرف كيف تصوغ سياسات قابلة للتنفيذ، أما الأولويات في المرحلة القادمة فتتمثل بتطوير المأسسة الحزبية أن تكون الأحزاب بالفعل بمثابة مؤسسات سياسية تخضع لمنطق المؤسسة والعمل المنهجي المنظم، وليس الأمزجة الشخصية، ولديها قدرات وإمكانيات وبنى فاعلة داخلية، فإصلاح البيت الحزبي الداخلي وتطويره وتعزيزه هو الشرط الرئيس لنجاح الأحزاب وفعاليتها السياسية.

ومن الضروري أن تتحرك الأحزاب خارج أسوار أعضائها والحلقات المحدودة المرتبطة بها نحو الشارع فتشتبك معه، وتتبنى مشكلاته، وأن «تصنع» خطاباً سياسياً وإعلامياً يجيب عن أسئلة العمل والتعليم والخدمات، ويشرح للناس ما تقترحه، وكلفته، والأولويات التي تحكمه.

تحتاج الأحزاب، كذلك، إلى تقوية أجنحة شبابية فاعلة وكوادر تتدرّب وتتحمل المسؤولية، وقواعد اجتماعية تتجاوز قوائم العضوية، ويشمل ذلك التشبيك مع جماعات المصلحة والضغط التي تلتقي معها برامجياً، وبناء علاقات مستمرة مع المجتمعات المحلية.

في هذا السياق تكتسب الانتخابات المحلية القادمة أهمية خاصة في هذا السياق؛ فهي مختبر حقيقي لقدرة الأحزاب على اختيار مرشحين أكفاء، وتقديم برامج تستجيب لاحتياجات مناطق محددة، وبناء فرق تتحمل مسؤولية التنفيذ، وتتكامل هذه الخبرة مع الانتخابات الطلابية والنقابية والنيابية، ضمن مسار يبني الثقة ويكشف مواطن الضعف ويتيح تصحيحها. لا يعني التدرج الانتظار المفتوح؛ بل العمل ضمن أفق واضح، تقاس خطواته بنضج المؤسسات واتساع المشاركة وقدرة البرامج على التأثير. أمامنا عمل طويل يستحق أن تُوجَّه إليه الجهود، كي يكون الوصول إلى الحكومة ثمرة تطور سياسي حقيقي. هذا هو الطريق، أيها السادة.

صحيفة الدستور

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار فلسطين على مدار الساعة