اخبار فلسطين

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

​رحلة العزاء من الأجر إلى "الصورة الاجتماعية"

​رحلة العزاء من الأجر إلى "الصورة الاجتماعية"

klyoum.com

حين أفرغنا الواجب من روحه

​لم تكن مجالس العزاء في مجتمعاتنا مجرد بروتوكول اجتماعي عابر أو محطة رسمية لتسديد الديون المعنوية، بل كانت في أصلها وفلسفتها الأولى مساحة إيمانية وإنسانية خالصة يهرع إليها الناس ابتغاء الأجر والمواساة، وحملاً لثقل الفجيعة عن كاهل أهل الميت، وتثبيتاً لمعاني التكافل والجيرة والترابط الحي على أرض الواقع. ومع تقادم الزمان وتغير أنماط الحياة، بدأت هذه القيمة العميقة تتحول تدريجياً من دافع "الأجر والرحمة" إلى مفهوم جاف يُدعى "الواجب والتسجيل"، حيث تحولت الوقفة الإنسانية إلى حسابات دقيقة لمن حضر ومن غاب ومن يرد الجميل ومن يتجاهله، حتى جاءت الطفرة التكنولوجية والمنصات الرقمية لترسخ هذا التحول، محولةً مواساة القلوب ومصافحة الأيادي إلى مجرد تعليق خاطف أو ملصق جاهز يكسر عتب الغياب شكلياً ويفرغ الروابط الإنسانية من أدفأ ما فيها.

​

إن هذا التراجع المتسارع نحو الحلول الرقمية لم يكن مجرد بحث عن السهولة أو فرار من ضغوط الوقت، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بتغير طريقة فهمنا للواجبات وممارستنا لها؛ إذ نرى اليوم شريحة من الناس تقف في لحظات حزنها تنتظر وقفة الآخرين معها، ثم ما تلبث أن تتجاهل رد الواجب لمن وقفوا إلى جانبها، في مظهريّة تعكس غياب التربية الاجتماعية الأصيلة وطغيان النفعية والفردانية التي تقيس العلاقات بمكاسبها المؤقتة لا بقيمتها الأخلاقية المتبادلة. ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً في هذا التحول الاجتماعي الشامل تلخصها النتيجة التي انتهينا إليها جميعاً اليوم؛ فلم نعد نقلق حقاً بشأن الفوز بأجر مواساة الملهوف ولا بنيل ثواب السعي في تخفيف الكرب، ولم نعد حتى نقلق بشأن تأدية الواجب الأصيل كما أملته علينا قيمنا وتقاليدنا، بل أصبح كل قلقنا ومحور اهتمامنا محصوراً في كيفية تقديم "الصورة الاجتماعية" الجميلة والبراقة التي نرغب في أن يرانا الناس عليها عبر الشاشات والمظاهر، بدلاً من أن نشغل أنفسنا بالقيام بـ "الواجب الحقيقي" والوقوف الملموس مع الإنسان في أشد لحظات ضعفه وحاجته. وحتى لو تناسينا في زحام الحياة اللفتة الإنسانية وطلب الأجر والمثوبة، فإن الفطرة السليمة والمروءة تفرضان علينا ألا ننسى أبداً قيمة الواجب تجاه الآخرين، ولا أن ننحدر بقيمة أنفسنا وكرامتنا الإنسانية؛ إذ إن القيام بالواجب ليس مجرد رد لجميل أو إسقاط لعتب، بل هو عنوان نبل الإنسان ودليل أصالته ووفائه لنفسه ولمحيطه قبل كل شيء.

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار فلسطين على مدار الساعة