اخبار فلسطين

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

عندما تتسلل إجابات ChatGPT إلى الأحكام القضائية!

عندما تتسلل إجابات ChatGPT إلى الأحكام القضائية!

klyoum.com

* (بالطبع، أستطيع صياغة الحكم))

تخيّل أن تقرأ حكماً قضائياً صادراً باسم الدولة، يحمل أسبابه القانونية وتوقيع القاضي، ثم تكتشف في نهايته عبارة تقول: ((بالطبع، يمكن إعادة صياغة النص ليبدو كأنه صادر عن قاضٍ…))

ليست العبارة من لغة الأحكام، ولا من دفوع الخصوم. إنها أقرب إلى إجابة مساعد إلكتروني يخاطب من طلب منه صياغة النص.

قبل فترة، تداولت الأوساط القانونية صورة منسوبة إلى قرار قضائي أردني تضمنت عبارة من هذا القبيل. لكن مجرد ظهور مثل هذه العبارة في صورة متداولة يفتح سؤالاً أخطر من الخطأ التحريري نفسه: كم من نص قانوني صاغه الذكاء الاصطناعي دون أن يترك وراءه عبارة تكشف تدخله؟

وليس الأمر خيالاً محضاً.

ففي الهند، نُشر حكم صادر عن محكمة في بنغالورو بتاريخ 27 يناير 2026 في القضية رقم 4956/2011، ظهرت ضمن نسخته المنشورة مقاطع تشبه محادثة كاملة مع مساعد ذكاء اصطناعي، تتضمن تعليمات لإعداد التسبيب، وردوداً تقترح تحسين الصياغة وإدراج التحليل داخل الحكم.

لم تكن المشكلة مجرد جملة نُسيت في نهاية الصفحة، بل ظهور نقاش حول مسائل قانونية تمس أسباب الفصل في النزاع. ومع ذلك، فإن هذه الواقعة لا تثبت وحدها أن القاضي فوّض إصدار القرار إلى الآلة أو أن الحكم باطل قانوناً.

لكنها تكشف واقعاً يستحق المواجهة: لم يعد السؤال ما إذا كانت الآلة قادرة على كتابة حكم، بل ما إذا كان الإنسان الذي يعتمد النص قد اختبر استدلاله فعلاً.

وفي القاهرة، خلال مشاركتي في أيام التحكيم المصرية 2026، حضرت جلسة نظمها مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي بالتعاون مع Jus Mundi، تناولت استخدام الذكاء الاصطناعي في التحكيم الدولي.

روى أحد المحامين المشاركين تجربة لافتة: زوّد نظاماً ذكياً بمصادر قانونية صحيحة لتحليل مسألة معقدة، فتلقى إجابة متماسكة خلال ثوانٍ. لكنه عندما دقق الاستدلال اكتشف أن النظام أغفل فروقاً جوهرية، وانتهى إلى نتيجة معاكسة لما توصل إليه بعد المراجعة.

هنا تكمن الصدمة الحقيقية: قد تكون النصوص صحيحة، والمراجع حقيقية، واللغة قضائية رصينة، بينما تكون النتيجة القانونية خاطئة.

وفي إنجلترا، واجهت المحكمة العليا عام 2025 مشكلة تقديم مراجع قانونية مختلقة أو غير صحيحة في أوراق قضائية، وأكدت مسؤولية المحامين عن التحقق مما يقدمونه للمحكمة.

فإذا كانت تلك المسؤولية واجبة على المحامي، فكيف بنا عندما يتعلق الأمر بالقاضي أو المحكّم الذي يفصل في حقوق الناس؟

إن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتنظيم الوثائق أو مراجعة الحسابات تختلف جذرياً عن تفويضه ترجيح الأدلة أو تحديد المسؤولية أو بناء أسباب الحكم.

ولا تكفي مراجعة شكلية أو توقيع في نهاية القرار لإثبات سلامة الاستدلال. فالحكم ليس وثيقة لغوية، بل نتيجة عملية عقلية وقانونية يجب أن يظل صاحب الولاية القضائية أو التحكيمية مسؤولاً عنها.

ولا أدعو إلى حظر التكنولوجيا، بل إلى تنظيم استخدامها: حماية السرية، والتحقق من المصادر، وتحديد حدود التفويض، وضمان حق الخصوم في مناقشة المسائل المؤثرة في الفصل بالنزاع.

فالعدالة لا تُقاس بسرعة كتابة الحكم، بل بسلامة الأسباب التي يحملها.

ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يقلقنا ليس: هل نسي أحدهم حذف عبارة من ChatGPT؟

بل: ماذا لو حذف العبارة، وترك الخطأ القانوني؟

عندها لن نكون أمام مشكلة في النسخ واللصق، بل أمام اختبار حقيقي للثقة في العدالة

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار فلسطين على مدار الساعة