حين يصبح الضمير عبئًا في مجتمعٍ يكافئ المكر
klyoum.com
أخر اخبار فلسطين:
أميركا تواصل محادثاتها السرية مع حكام ميانمار في طوكيوقد ينسحب إنسان من مجلسٍ كان يومًا قريبًا منه، لا لأنه تغيّر، ولا لأنه فقد محبته للناس، بل لأنه سمع كلمةً جارحة بحق غائب، ورأى ظلمًا لم يستطع مجاملته، واكتشف أن بقاءه في المكان يطالبه بالصمت عن أمرٍ لا يقبله ضميره.
أحيانًا لا تكون العزلة اختيارًا أوليًا، بل نهاية محاولات طويلة للتفاهم مع ما لا يشبهنا.
ثمة أشخاص يرهقهم التناقض بين ما يؤمنون به وما يضطرون إلى مشاهدته.
لا يدّعون الكمال، ولا يظنون أنهم أفضل من غيرهم، لكنهم يجدون صعوبة في مسايرة النميمة، أو تمرير الإساءة، أو التظاهر بالقبول حين يرون حقًا يُنتقص.
وحين يعبّرون عن موقفهم، قد يخسرون ودّ أشخاص لم يتوقعوا أن يتحول الاختلاف معهم إلى خصومة.
ليس المجتمع كتلة واحدة، ولا يصح اختزال البشر في صفات واحدة؛ ففيه أصحاب ضمائر صادقة، وأناس يختلفون في تقدير المواقف، وآخرون قد تدفعهم مصالحهم إلى سلوك مؤذٍ. غير أن بعض البيئات والعلاقات تختبر قدرة الإنسان على التمسك بمبادئه، خصوصًا حين يصبح الصمت أكثر راحة، والمجاملة أقل كلفة من قول الحقيقة.
وقد يكون الموجع أن يجد المرء نفسه موضع استياء لا لأنه أساء، بل لأنه رفض المشاركة في إساءة.
فحين يعترض على غيبة، قد يُتهم بأنه حساس أكثر من اللازم؛ وحين يدافع عن شخص وقع عليه الظلم، قد يُنظر إليه باعتباره طرفًا في خلاف لم يصنعه.
عندها لا يعود السؤال: لماذا اختلفنا؟ بل: لماذا أصبح الالتزام بما نراه صوابًا سببًا في خسارة الود؟
من هنا تنشأ رغبة الابتعاد. يختار الإنسان أن يقلّل حضوره في مجالس تستنزفه، وأن يحفظ خصوصيته، وأن يتوقف عن شرح نواياه لمن لا يريد فهمها.
وقد يجد في الهدوء فرصة لاستعادة نفسه بعد أن استهلكته محاولات الإصلاح أو الدفاع أو التبرير.
لكن العزلة لا ينبغي أن تتحول إلى حكمٍ على العالم كله.
فالتجارب المؤلمة، مهما كانت قاسية، لا تمنحنا حق افتراض سوء النية في كل من نلتقيه. وربما يكون بعض ما نراه مكرًا اختلافًا في الطباع، أو سوء فهم، أو خلافًا يحتاج إلى حوار لا إلى قطيعة.
إن الإنصاف الذي نطالب به الآخرين يبدأ أيضًا من قدرتنا على مراجعة أحكامنا.
والنقاء الحقيقي ليس أن نعيش بلا أخطاء، بل أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بها، وألّا نبرر الظلم حين يصدر ممن نحب، وألّا نساوم على كرامة إنسان طلبًا للقبول.
كما أن الطيبة لا تعني أن نترك أبوابنا مفتوحة لكل من يسيء إلينا؛ فمن حقنا أن نضع حدودًا، وأن نختار علاقات تمنحنا الاحترام المتبادل.
ومع ذلك، تبقى هناك مواقف لا يجوز أن يكون الانسحاب منها بديلًا عن المسؤولية. حين يتعرض إنسان للظلم، قد تكون كلمة عادلة أو شهادة صادقة أكثر قيمة من راحة الصمت.
الحكمة ليست أن نواجه الجميع، ولا أن نبتعد عن الجميع، بل أن نعرف متى تستحق الحقيقة أن نقف من أجلها، ومتى يكون الابتعاد حمايةً لأنفسنا من جدل لا يفضي إلى شيء.
ربما يحتاج أصحاب الضمائر الحساسة إلى أن يتعلموا فنّ المسافة، لا فنّ القطيعة؛ وأن يبحثوا عن أشخاص يستطيعون الاختلاف معهم دون تجريح، والحديث أمامهم دون خوف من أن تتحول كلماتهم إلى مادة للغيبة.
فالعلاقات التي تمنح الإنسان الأمان لا تطالبه بالتنازل عن مبادئه كي يبقى مقبولًا.
ليس كل ابتعاد ضعفًا، وليس كل مواجهة بطولة.
أحيانًا يكون الشجاعة أن تقول ما يجب قوله، وأحيانًا تكون الحكمة أن تغادر دون ضجيج، وأحيانًا يكون النضج أن تمنح علاقةً فرصةً جديدة بعد أن يتضح سوء الفهم.
فالضمير لا ينبغي أن يكون عبئًا يدفعنا إلى كراهية الناس، بل بوصلةً تساعدنا على اختيار الطريق والعلاقات والمواقف.
وحين نبتعد، فليكن ابتعادنا عن الأذى لا عن الحياة، وعن المجالس التي تستنزفنا لا عن الأمل في البشر.