الملك يفتح ملف الصحة النفسية من أستراليا
klyoum.com
سعدت وأنا أتابع زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى أستراليا، لكن أكثر ما استوقفني كان إدراج ملف الصحة النفسية على أجندة زيارته الرسمية. فقد أعادني هذا المشهد سنوات إلى الوراء، حين بدأنا في وزارة التربية والتعليم العمل على إدخال الإرشاد النفسي إلى مدارسنا، وواجهنا آنذاك تحفظات واعتراضات، بل وسخرية من بعض الزملاء الذين لم يكونوا مقتنعين بأن الطالب يحتاج إلى مرشد نفسي إلى جانب معلمه.
واليوم، أرى القضية ذاتها تنتقل من نقاشات داخل أروقة وزارة التربية والتعليم إلى طاولة لقاءات ملكية دولية، في مشهد يحمل دلالة تتجاوز حدود الزيارة نفسها، ويعكس تحولاً مهماً في الوعي بمكانة الصحة النفسية في حياة الإنسان والمجتمع.
فأن يخصص جلالة الملك، خلال زيارته إلى العاصمة الأسترالية كانبرا، لقاءً مع مؤسسات حكومية ومنظمات غير ربحية متخصصة في الصحة النفسية، لبحث التعاون وتبادل الخبرات والتدريب والتأهيل، هو أمر يستحق التوقف عنده. إذ اعتدنا أن تتصدر الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية برامج الزيارات الرسمية، بينما نادراً ما تحظى الصحة النفسية بهذا الحضور المباشر على مستوى القيادة السياسية.
فما دلالة أن تصبح الصحة النفسية ملفاً على أجندة ملكية دولية؟ ولماذا أستراليا تحديداً؟
لعل الدلالة الأبرز تكمن في الانتقال بالصحة النفسية من مفهومها العلاجي التقليدي إلى اعتبارها أحد مرتكزات الأمن الإنساني والتنمية المستدامة. فالإنسان لا يستطيع أن يبدع أو ينتج أو يشارك بفاعلية في بناء مجتمعه إذا كانت معاناته النفسية تعوق قدرته على التعلم والعمل والتواصل، مهما توافرت أمامه من فرص.
ولطالما اعتدنا قياس تقدم الخدمات الصحية بعدد المستشفيات والأجهزة الطبية والأسرة العلاجية، لكن ماذا عن الجراح التي لا تُرى؟ ماذا عن طفل يخفي خوفه خلف صمته، أو شاب تعوقه الضغوط النفسية عن تحقيق طموحاته، أو أسرة تواجه معاناتها بعيداً عن أعين الآخرين خشية الوصمة الاجتماعية؟
إنها قضايا لا تقل أثراً في مستقبل المجتمعات عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تستحوذ عادة على اهتمام السياسات العامة.
أما اختيار أستراليا، فيكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى خبرتها في تطوير خدمات الصحة النفسية المجتمعية، وبرامج التدخل المبكر، ودعم الأطفال والشباب، وإشراك المؤسسات غير الربحية في تقديم الرعاية، فضلاً عن توظيف التكنولوجيا لتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات.
ومن هنا، فإن بحث شراكة استراتيجية بين الأردن وأستراليا يفتح المجال للاستفادة من هذه الخبرات في تطوير نموذج أردني يستجيب لاحتياجات المجتمع، ويعزز الوقاية والكشف المبكر، بدلاً من انتظار تفاقم المشكلات قبل التعامل معها.
وتتعمق دلالات اللقاء في ضوء إشارة جلالة الملك إلى استضافة الأردن للاجئين وجهوده الطبية والإنسانية في مناطق النزاع. فالأردن، بحكم موقعه ودوره الإنساني، يدرك أن الحروب لا تخلّف دماراً مادياً فحسب، وإنما تترك آثاراً نفسية قد تستمر طويلاً بعد توقف القتال.
فالطفل الذي شهد العنف، والأم التي فقدت أبناءها، والأسرة التي اقتُلعت من وطنها، يحملون جراحاً لا تكشفها الفحوص الطبية، ولا تكفي لمعالجتها المساعدات المعيشية وحدها.
وهنا تبرز فرصة لتعزيز الدور الأردني في تطوير برامج الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين من النزاعات، والاستفادة من التعاون الدولي في تأهيل الكوادر وتبادل الخبرات.
كما أن حضور وزير الصحة ورئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير عام الخدمات الطبية الملكية اللقاء يعكس اتساع نطاق المؤسسات المعنية بهذا الملف، ويفتح آفاقاً للتعاون بين القطاعات الصحية المدنية والعسكرية، ولا سيما في مجالات التأهيل النفسي والتعامل مع آثار الصدمات والأزمات.
لكن الأهم بالنسبة لي، انطلاقاً من تجربتي في وزارة التربية والتعليم، أن يمتد أثر هذا الاهتمام إلى المدارس والجامعات وأماكن العمل، وألا تبقى الصحة النفسية مرتبطة بالمؤسسات العلاجية وحدها.
فالمدرسة ليست مكاناً لتلقي المعرفة فحسب، بل هي البيئة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان وثقته بنفسه وقدرته على مواجهة الحياة. وما كنا ندافع عنه قبل سنوات، حين طالبنا بتعزيز الإرشاد النفسي في المدارس، أصبح اليوم أكثر إلحاحاً في ظل الضغوط الاجتماعية والتحولات الرقمية والتحديات التي تواجه الأطفال والشباب.
وإذا كنا قد تجاوزنا جانباً من التحفظات القديمة تجاه الإرشاد النفسي، فإننا ما زلنا بحاجة إلى تجاوز الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب المساعدة النفسية، وإلى ترسيخ ثقافة تعتبر العناية بالصحة النفسية حقاً طبيعياً، لا أمراً يدعو إلى الخجل أو الإخفاء.
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف نترجم هذا الاهتمام الملكي إلى أثر يلمسه المواطن؟
إن الفرصة اليوم تتمثل في البناء على الجهود الوطنية القائمة، وتوسيع خدمات الصحة النفسية لتصبح أكثر قرباً من الناس، وإدماجها بصورة أعمق في المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية، مع الاستثمار في تدريب المختصين وتطوير برامج الوقاية والتدخل المبكر.
فالقيمة الحقيقية للشراكات الدولية لا تكمن في عدد الاتفاقيات أو اللقاءات، بل في قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة الإنسان، خصوصاً لدى الفئات التي يصعب عليها الوصول إلى خدمات الدعم النفسي.
إن لقاء جلالة الملك في كانبرا يفتح نافذة مهمة لإعادة النظر في موقع الصحة النفسية ضمن أولويات التنمية الوطنية، ويؤكد أهمية التعامل مع الإنسان بوصفه كياناً متكاملاً، لا تنفصل صحته النفسية عن صحته الجسدية أو قدرته على المشاركة في بناء مجتمعه.
وأعود بذاكرتي إلى تلك السنوات التي كنا نحاول فيها إقناع البعض بأن وجود مرشد نفسي في المدرسة ليس ترفاً، وأتأمل اليوم كيف أصبحت القضية ذاتها حاضرة على أجندة جلالة الملك خلال زيارة رسمية إلى أستراليا.
وما بين البدايات المتواضعة والاهتمام الملكي اليوم، تتأكد حقيقة أن الأفكار التي تواجه التشكيك في بداياتها قد تصبح مع مرور الزمن من ضرورات تقدم المجتمعات.
ولعل أكثر ما نأمله أن يشكل هذا اللقاء انطلاقة جديدة لتعزيز خدمات الصحة النفسية في الأردن، وأن نصل إلى يوم لا يخجل فيه إنسان من طلب المساعدة، ولا يواجه فيه طفل أو شاب أو أسرة معاناتهم النفسية بصمت.
فالأوطان لا تُقاس قوتها بما تبنيه من مؤسسات وما تحققه من إنجازات مادية فحسب، بل أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان من الجراح التي لا تُرى. وما أجمل أن يصبح الاهتمام بصحة الإنسان النفسية جزءاً أصيلاً من رؤيتنا لمستقبل الأردن، لأن بناء الإنسان لا يكتمل ما لم نمنحه، إلى جانب فرص الحياة الكريمة، الطمأنينة التي تعينه على أن يحياها .