اخبار فلسطين

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

المياه الاقليمية وتعزيز السيادة المائية في الأردن

المياه الاقليمية وتعزيز السيادة المائية في الأردن

klyoum.com

لم تكن المياه بالنسبة إلى الأردن يومًا مجرد قضية خدمية أو تنموية، بل كانت وما تزال قضية وجود وأمن وطني. ففي بلد محدود الموارد المائية، قليل الأمطار، ويواجه نموًا متواصلًا في الطلب على المياه، يصبح كل متر مكعب جزءًا من معادلة الاستقرار والتنمية والسيادة.

ومن هنا، فإن قراءة تاريخ الصراع حول مياه حوض نهر الأردن تكشف أن الماء لم يكن عنصرًا هامشيًا في السياسة الإقليمية، بل كان حاضرًا في قلب الصراع، ثم أصبح لاحقًا أحد الملفات الأساسية على طاولة مفاوضات السلام. وتُظهر الدراسة التي نشرتها سابقًا في مركز الأمم المتحدة للتنمية الإقليمية عام 1999 أن إدارة المياه ومشروعاتها الإقليمية ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بعملية السلام في المنطقة.

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع اتفاقية السلام، هو: إلى أي مدى أسهمت ترتيبات السلام في تحقيق أمن مائي مستدام للأردن؟ وهل يمكن لدولة تعاني أصلًا من ندرة حادة في المياه أن تجعل جزءًا من أمنها المائي طويل الأمد مرتبطًا بمصادر تتأثر بالتحولات السياسية الإقليمية؟

المياه في قلب تاريخ المنطقة

لفهم أزمة المياه في الأردن اليوم، لا بد من العودة إلى التحولات السياسية والديموغرافية الكبرى التي مرت بها المملكة والمنطقة. فالحروب العربية الإسرائيلية لم تُحدث تغيرات سياسية وجغرافية فحسب، وإنما ترافقت أيضًا مع موجات كبيرة من النزوح واللجوء إلى الأردن. وأدت حروب 1948 و1967 وما أعقبها من تحولات سكانية إلى زيادة الضغط على البنية التحتية والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه.

ثم جاءت أزمة الخليج عام 1990 وعودة أكثر من 300 ألف شخص إلى الأردن، لتضيف أعباء جديدة على موارد البلاد المحدودة. وهكذا وجد الأردن نفسه، في مراحل متتالية من تاريخه الحديث، مطالبًا بتوفير المياه لأعداد متزايدة من السكان، في وقت ظلت فيه موارده المائية الطبيعية محدودة.

نهر الأردن... عندما تلتقي الجغرافيا بالسياسة

يمتد نهر الأردن، وفق الدراسة، لمسافة تقارب 228 كيلومترًا من منابعه في جنوب لبنان على سفوح جبل الشيخ حتى البحر الميت، وظل توزيع مياهه واستغلالها لعقود موضوعًا للنزاع والتفاوض بين دول الحوض. ومن أبرز المحطات التاريخية في هذا الملف خطة جونستون في خمسينيات القرن الماضي، التي حاولت وضع أسس لتوزيع مياه الحوض بين الدول المعنية. وتشير الدراسة إلى أن التوزيع المقترح منح الأردن 52%، وإسرائيل 32%، وسوريا 13%، ولبنان 3%، إلا أن الخطة لم تتحول إلى اتفاق سياسي إقليمي شامل . وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في ملف المياه في المنطقة: الجغرافيا تفرض التعاون، بينما تستطيع السياسة تعطيله.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن السيطرة على منابع النهر اكتسبت أهمية استراتيجية متزايدة، لا سيما بعد حرب عام 1967، وهو ما جعل قضية المياه جزءًا مهمًا من الحسابات الإقليمية ومفاوضات السلام التي جاءت لاحقًا.

اتفاقية السلام والمياه على طاولة المفاوضات

عندما وُقعت اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994، لم تكن المياه ملفًا ثانويًا بالنسبة إلى الأردن، بل قضية استراتيجية ترتبط مباشرة باحتياجات المملكة ومستقبل أمنها المائي. وتضمنت الاتفاقية إطارًا خاصًا بالمياه، كما أُنشئت لجنة مياه مشتركة لإدارة بعض الموارد المشتركة ومراقبة نوعية المياه والتنسيق بشأن الإمدادات.

وبعد الاتفاقية طُرحت ترتيبات ومشروعات متعددة لإدارة الموارد المائية، ولا سيما المرتبطة بنهري الأردن واليرموك. وتناولت دراستي الأصلية عددًا من تلك المشروعات، من بينها نقل المياه من منطقة دير علا باتجاه عمّان، ومشروعات التحلية، وترتيبات التزويد بالمياه، ومشروع سد الوحدة على نهر اليرموك. لكن التجربة التي امتدت منذ ذلك الحين أثبتت أن الاتفاق السياسي، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء أمن مائي مستدام، خاصة عندما تكون الموارد المائية محدودة أصلًا، ويتزايد الضغط عليها بفعل النمو السكاني والتقلبات المناخية والظروف السياسية.

من اتفاقية 1994 إلى ترتيبات 2021

بعد أكثر من ربع قرن على توقيع اتفاقية السلام، ازدادت احتياجات الأردن المائية وأصبح البحث عن كميات إضافية أكثر إلحاحًا. وفي عام 2021، توصل الأردن وإسرائيل إلى ترتيب يقضي بشراء الأردن 50 مليون متر مكعب إضافية من المياه سنويًا، فوق الكميات المرتبطة بترتيبات معاهدة السلام. وقد استمر ترتيب الكمية الإضافية من خلال تمديدات لاحقة.

لكن هذا الترتيب الإضافي انتهى في أواخر عام2025 ولم يُجدد. وفي آذار 2026، اعدت الحكومة الأردنية خطة بديلة للتعامل مع انتهاء اتفاق شراء الكمية الإضافية، بهدف حماية الأمن المائي للمملكة.

وهنا لا بد من التمييز بين مسألتين حتى لا تختلط الصورة أمام القارئ: الذي انتهى ليس الترتيبات المائية الأساسية في اتفاقية السلام لعام 1994، وإنما الاتفاق الخاص بالكميات الإضافية الذي جاء لاحقًا. وتشير التقارير المنشورة في 2026 إلى استمرار تزويد الأردن بالكميات المرتبطة بالمعاهدة، في حين لم يتم تجديد ترتيب الـ50 مليون متر مكعب الإضافية بعد انتهاء تمديداته. وهذا الفرق مهم من الناحيتين القانونية والسياسية. فهناك فرق بين التزام مائي تنظمه معاهدة، وبين ترتيب إضافي يخضع للتجديد والتفاوض.

عندما تتداخل المياه مع السياسة

تكمن أهمية التطورات الأخيرة في أنها تكشف حساسية الاعتماد على اتفاقات إضافية يمكن أن تتأثر بحالة العلاقات السياسية بين الدول.

فقد أشارت تقارير منشورة في عام 2026 إلى خلافات سياسية بشأن تجديد الكميات الإضافية، وإلى طرح شروط سياسية إسرائيلية لتمديد الترتيب. وبغض النظر عن تفاصيل الخلاف السياسي، فإن المسألة بالنسبة إلى الأردن تطرح سؤالًا استراتيجيًا أكبر: إلى أي مدى ينبغي أن تعتمد معالجة العجز المائي الوطني على مصادر إضافية يمكن أن تتأثر بتقلب العلاقات السياسية؟

ولا يعني ذلك رفض التعاون الإقليمي. على العكس تمامًا، فطبيعة الأحواض المشتركة تجعل التعاون ضرورة تفرضها الجغرافيا. لكن هناك فرقًا بين التعاون المائي الإقليمي باعتباره خيارًا مفيدًا ومهمًا، وبين الأمن المائي الوطني باعتباره ضرورة استراتيجية لا ينبغي أن تعتمد بصورة مفرطة على مصدر خارجي واحد.

مشروع «الماء مقابل الطاقة»... مسار لم يكتمل

شهدت السنوات الأخيرة محاولة أخرى لبناء نموذج إقليمي مختلف يقوم على الربط بين المياه والطاقة. وفي تشرين الثاني 2022، وُقعت مذكرة تفاهم للمضي في مبادرة تقوم على إنتاج الطاقة الشمسية في الأردن مقابل الحصول على مياه محلاة. إلا أن المشروع لم يصل إلى اتفاق نهائي. وبتاريخ 16 تشرين الثاني 2023، أعلن وزير الخارجية أيمن الصفدي "أن الأردن لن يوقع اتفاقية لتبادل الطاقة مقابل المياه مع إسرائيل في ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة". هذه التجربة بدورها تبرز مرة أخرى العلاقة الوثيقة بين المياه والسياسة في منطقة الشرق الأوسط، وتؤكد أن المشروعات الإقليمية الكبرى لا تعمل في فراغ سياسي.

أزمة المياه الأردنية أعمق من اتفاقية

مع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال أزمة المياه الأردنية في اتفاقية السلام أو في العلاقة مع دولة مجاورة. فالأردن يعاني أساسًا من محدودية موارده الطبيعية وقلة الأمطار، ويعتمد بدرجة مهمة على المياه الجوفية، ومن بينها حوض الديسي. كما أن محدودية تجدد بعض الموارد الجوفية تجعل الإفراط في الاعتماد عليها على المدى الطويل مسألة تتطلب الحذر والتخطيط. وفي الوقت نفسه تتنافس الاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية على المورد المحدود.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية الانتقال من إدارة النقص إلى بناء أمن مائي مستدام قادر على التعامل مع النمو السكاني والتغير المناخي والضغوط الاقتصادية وعدم الاستقرار الإقليمي في الوقت نفسه.

الناقل الوطني بداية تغيير المعادلة

هنا يأتي واحد من أهم التحولات في السياسة المائية الأردنية، وهو مشروع الناقل الوطني للمياه من العقبة إلى عمّان. فوفق المعلومات المنشورة من وزارة المياه والري في عام 2026، يستهدف المشروع تحلية 300 مليون متر مكعب من مياه البحر الأحمر سنويًا ونقل المياه عبر منظومة تمتد نحو 450 كيلومترًا من العقبة باتجاه عمان. وتنبع الأهمية الاستراتيجية للناقل الوطني من أنه لا يمثل مجرد إضافة كمية جديدة إلى الميزان المائي، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره تحولًا في فلسفة إدارة الأمن المائي الأردني.

فبدل أن يبقى البحث عن الكميات الإضافية مرتبطًا بصورة كبيرة بموارد مشتركة وظروف إقليمية متغيرة. يهدف المشروع إلى تطوير مصدر تحلية واسع النطاق داخل المنظومة المائية الوطنية. ومن هنا فإن الناقل الوطني ليس مجرد مشروع بنية تحتية للمياه، بل أحد أهم مشروعات الأمن الوطني الأردني للمستقبل.

من إدارة الأزمة إلى بناء الأمن المائي

ربما يكون التحول الأهم الذي يحتاج إليه الأردن اليوم هو الانتقال من مفهوم إدارة أزمة المياه إلى مفهوم بناء الأمن المائي. إدارة الأزمة تعني البحث عن كميات إضافية كلما اتسعت الفجوة بين العرض والطلب. أما بناء الأمن المائي، فيعني تطوير منظومة متكاملة وطويلة الأجل تقوم على تنويع المصادر، والتحلية، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وحماية المخزون الجوفي، وخفض الفاقد، وإدارة الطلب، وتطوير أنماط زراعية أكثر كفاءة في استخدام المياه، وتوظيف الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الحديثة.

وقد تضمنت الدراسة الأصلية في عام 1999 توصيات بالاتجاه نحو تحلية مياه البحر في العقبة، وتعزيز إعادة استخدام المياه المعالجة، وتحسين إدارة الطلب والاستثمار في تكنولوجيات المياه الحديثة. وما كان يُطرح قبل سنوات بوصفه خيارًا مستقبليًا أصبح اليوم أكثر إلحاحًا وارتباطًا بالأمن الوطني.

ثلاث مراحل في قصة الأردن مع المياه الإقليمية

يمكن قراءة تاريخ المياه في الأردن والمنطقة من خلال ثلاث مراحل مترابطة.

الأولى، مرحلة المياه والصراع

وفيها ارتبطت موارد نهري الأردن واليرموك بالصراعات الإقليمية ومحاولات السيطرة على الموارد وتحويل مجاري المياه.

الثانية، مرحلة المياه والسلام

وقد تجسدت بصورة واضحة مع اتفاقية السلام لعام 1994 وما تبعها من ترتيبات للتعاون والتزويد وإدارة الموارد المشتركة. .

أما الثالثة، فهي مرحلة المياه والسيادة

وهي المرحلة التي ينبغي أن يعمل الأردن على ترسيخها اليوم، بحيث يبقى التعاون الإقليمي عنصرًا داعمًا لمنظومة الأمن المائي، وليس بديلًا عن بناء قدرات وطنية مستدامة. ومن هنا يكتسب الناقل الوطني وتحلية مياه البحر الأحمر أهمية تتجاوز الأبعاد الهندسية والاقتصادية للمشروع.

الماء قادر على صناعة السلام

لقد تغير الكثير منذ أن نشرت دراستي حول إدارة المياه وعملية السلام في مركز الأمم المتحدة للتنمية الإقليمية عام 1999. لكن المفارقة أن السؤال الأساسي الذي طرحته الدراسة آنذاك ما يزال حاضرًا: كيف يمكن للأردن ضمان أمنه المائي في منطقة تختلط فيها ندرة الموارد بتقلبات السياسة؟ لقد كانت مياه حوض نهر الأردن جزءًا من تاريخ الصراع، ثم أصبحت جزءًا من مفاوضات السلام. وأظهرت التطورات الأخيرة أن التعاون الإقليمي يظل ضروريًا، لكنه لا يغني عن بناء مصدر وطني أكثر استدامة وقدرة على الصمود أمام المتغيرات. وانتهاء ترتيب شراء الـ50 مليون متر المكعب الإضافية، مع بقاء الإطار المائي لاتفاقية السلام، يقدم درسًا مهمًا في ضرورة التمييز بين التزامات تنظمها المعاهدات وترتيبات إضافية قد تكون قابلة للتجديد أو الانتهاء. واليوم، مع المضي في مشروع الناقل الوطني ، يملك الأردن فرصة لإعادة صياغة جزء أساسي من معادلته المائية.

وخلاصة القول ان التعاون مع دول الجوار سيبقى ضرورة تفرضها الجغرافيا، لكن بناء الأمن المائي مسؤولية وطنية لا بديل عنها. فالماء يستطيع أن يكون جسرًا للسلام، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي.

وما يحتاجه الأردن اليوم ليس فقط إلى مزيد من المياه، بل إلى مزيد من القدرة على التحكم بمستقبله المائي. فالأمن المائي ليس مسألة خدمات فحسب، وإنما جزء أصيل من السيادة والأمن الوطني واستقرار المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة.

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار فلسطين على مدار الساعة