اخبار فلسطين

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

دلالة العنوان في قصة «لما اهتز الخيط» لهيا منصور

دلالة العنوان في قصة «لما اهتز الخيط» لهيا منصور

klyoum.com

عمون - قراءة مصطفى القرنة - يشكّل العنوان في العمل الأدبي عتبة دلالية تفتح أمام القارئ آفاق التأويل، وتوجّه قراءته نحو المعاني التي قد يتجاوزها ظاهر النص. ومن هذا المنطلق، يثير عنوان قصة «لما اهتز الخيط» لهيا منصور تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين ألفاظه، وما تحمله من إيحاءات رمزية تتجاوز المعنى المباشر. فالعنوان لا يقدّم دلالة مكتملة بقدر ما يؤسس لحالة من الترقب، ويضع القارئ أمام صورة مكثفة تتداخل فيها الحركة والهشاشة والتحوّل.

تتجلى خصوصية العنوان في بنيته اللغوية، ولا سيما في اقتران «لما» بالفعل «اهتز». فـ«لما» تربط المعنى بلحظة زمنية محددة، لكنها تظل مفتوحة على ما قبل تلك اللحظة وما بعدها، وكأن العنوان يقتطع مشهدًا من سياق أوسع، ويجعل لحظة الاهتزاز مركزًا للاهتمام. كما توحي هذه البنية بوجود حدث لا تكتمل دلالته إلا من خلال ما يترتب عليه، وهو ما يمنح العنوان طابعًا سرديًا، ويجعله أقرب إلى بداية حكاية منه إلى تسمية جامدة لها. وبذلك لا يقتصر دوره على الإشارة إلى موضوع القصة، بل يسهم في خلق انتظار لدى القارئ لمعرفة ما الذي حدث عندما اهتز الخيط.

أما لفظة «الخيط»، فتحتل مركز الثقل الدلالي في العنوان؛ فهي كلمة بسيطة ومألوفة، لكنها قابلة لاحتضان معانٍ متعددة. فالخيط في دلالته الحسية عنصر رفيع يصل بين أطراف، أو يجمع أجزاء، أو يحافظ على تماسك شيء ما. غير أن حضوره في عنوان أدبي يفتح المجال أمام نقله من مستواه المادي إلى مستوى رمزي، حيث يمكن أن يحيل إلى رابط خفي، أو علاقة دقيقة، أو توازن قائم على قدر من الهشاشة. وتنبع أهمية هذه اللفظة من أنها لا تحدد طبيعة ما تربطه، ولا تكشف عن وظيفته، فتترك للقارئ مساحة للتساؤل والتأويل.

ويزداد البعد الإيحائي للعنوان وضوحًا من خلال الفعل «اهتز». فالاهتزاز لا يعني بالضرورة الانقطاع أو السقوط، لكنه يشير إلى حركة طرأت على شيء كان في حالة أخرى من السكون أو الثبات. ومن هنا، ينشأ توتر دلالي بين الخيط بوصفه عنصرًا قابلًا للتأثر، والاهتزاز بوصفه علامة على اضطراب طرأ عليه. ولا تكمن أهمية الفعل في الحركة ذاتها فحسب، بل في احتمالاتها؛ فقد يكون الاهتزاز إنذارًا بتغير قادم، أو كشفًا عن هشاشة كانت مستترة، أو إشارة إلى أن ما يبدو ثابتًا ليس بمنأى عن التحول. وهكذا يكتسب الفعل قيمة رمزية تجعله مفتاحًا لقراءة العنوان، من غير أن يفرض معنى واحدًا ونهائيًا عليه.

وتتأسس قوة العنوان كذلك على العلاقة بين كلمتي «اهتز» و«الخيط»، إذ إن اجتماعهما ينتج صورة تتجاوز مجموع دلالتيهما المفردتين. فالخيط، بسبب رقته، يستجيب لأدنى حركة، والاهتزاز، بسبب طبيعته، يكشف عن تأثره بقوة ما. ومن هذا التفاعل تتولد صورة مكثفة للتغير الذي يبدأ صغيرًا، لكنه قد يحمل دلالات أوسع من حجمه الظاهر. وتكمن جمالية هذه الصورة في التفاوت بين بساطة الشيء الذي يتعرض للاهتزاز، واتساع المعاني التي يمكن أن يثيرها؛ فالعنوان لا يحتاج إلى وصف مطوّل كي يستدعي فكرة الاضطراب، بل يختزلها في حركة واحدة.

ومن الناحية النقدية، يلفت العنوان الانتباه إلى اختياره صيغة لا تكشف عن طبيعة الخيط ولا عن سبب اهتزازه. وهذا الحذف ليس مجرد نقص في المعلومات، بل يمكن أن يُقرأ بوصفه آلية فنية تقوم على الإرجاء والإيحاء. فلو حُدد الخيط منذ البداية، لانحسرت بعض احتمالات التأويل، أما تركه من دون وصف أو تحديد فيمنح اللفظة استقلالًا رمزيًا، ويجعل القارئ يتساءل عن مدلولها. كذلك، فإن عدم ذكر الفاعل الذي تسبب في الاهتزاز يترك مصدر الحركة مجهولًا، فيتحول الاهتمام من الحدث المادي إلى دلالته المحتملة. ومع ذلك، تظل هذه التقنية ناجحة فنيًا بقدر ما ينسجم غموض العنوان مع بناء القصة، ولا يتحول إلى غموض منفصل عن النص.

وعليه، فإن دلالة عنوان «لما اهتز الخيط» تتأسس على ثلاثة عناصر متكاملة: الزمن الذي توحي به «لما»، والحركة التي يجسدها «اهتز»، والرمزية التي تنفتح عليها لفظة «الخيط». ويمنح اجتماع هذه العناصر العنوان قدرة على تكثيف المعنى وإثارة الأسئلة، بدلًا من تقديم مضمون مباشر ومغلق. وتكمن قيمته الفنية في بساطته اللغوية، وثرائه الإيحائي، وتركه مسافة تأويلية بين العبارة والقارئ. غير أن الحكم على دلالته النهائية يقتضي العودة إلى النص القصصي نفسه؛ لأن العنوان، مهما اتسعت احتمالاته، يظل مرتبطًا بالسياق الذي يمنحه معناه الخاص.

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار فلسطين على مدار الساعة