اخبار فلسطين

وكالة شمس نيوز

سياسة

الحرب على إيران ومأزق الخطاب السلفي

الحرب على إيران ومأزق الخطاب السلفي

klyoum.com

د. وليد القططي | كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

 

منذ بداية الحرب الصهيوأميركية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، اصطفت شعوب الأمة الإسلامية ومنها العربية، إجمالاً، إلى جانب إيران كموقف طبيعي نابع من إيمانها الفطري بوحدة الأمة الإسلامية، وشعورها الديني برابطة الإخوّة الإسلامية، ووعيها التاريخي بوحدة المعركة ضد أميركا و "إسرائيل".

وفي المقابل، اصطفت ضد العدوان الأميركي-الإسرائيلي المشترك لإدراكها أنهما رأس حربة المشروع الاستعماري الغربي ضد الأمة الإسلامية، ولإحساسها بخطر الهيمنة الأميركية والعلو الإسرائيلي على بلدانها بعد فلسطين ولبنان وإيران، ولشعور الشعوب الحرة الطبيعي بكراهية الغزاة الغرباء.

خرج عن هذا الاصطفاف الشعبي للأمة مع إيران وضد العدوان بعض النُخب والفئات لأسباب شتى... منها النُخب والفئات المُنتمية لنماذج (الإسلام الأميركاني)، وهو مصطلح أبدعه سيد قطب عام 1952م في كتابه (دراسات إسلامية)، فكتب عنه "الإسلام الذي يريده الأميركان وحلفاؤهم في الشرق الأوسط ليس هو الإسلام الذي يقاوم الاستعمار، وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان، ولكنه الإسلام الذي يقاوم الشيوعية، الأمريكان وحلفاؤهم يريدون للشرق الأوسط إسلاماً أميركياً".

النموذج الأول للإسلام الأميركي وفق رأي سيد قطب هو إسلام من دون مقاومة للاستعمار وثورة على الطغيان، كنموذج (الإسلام الإبراهيمي) الموظف لشرعنة وجود "إسرائيل" والتطبيع معها ولغرس القابلية للاستعمار الأميركي والخضوع له، أما النموذج الثاني للإسلام الأميركي وفق رأي سيد قطب فهو "الإسلام الذي يقاوم الشيوعية" عندما كانت تُهدد مصالح الغرب أثناء الحرب الباردة، بمعنى الإسلام الذي توظفه أميركا لخدمة مصالحها ومحاربة أعدائها، الإسلام الذي تم توظيفه لتوجيه (المجاهدين) في كل البلدان التي تريدها أميركا ما عدا فلسطين، الإسلام الذي تم توظيفه لتحويل بوصلة الصراع بين الأمة وأعدائها المركزيين (إسرائيل وأميركا)، إلى صراع داخل الأمة وبين مذاهبها وقومياتها ومصالحها لتأجيج الفتنة وتأبيد الصراع واستنزاف الطاقة... وهو بالضبط ما تفعله بعض مكونات التيار السلفي.

التيار السلفي الذي ابتدعته المدرسة الوهابية السعودية وأعادت توجيهه ليكون أحد نماذج (الإسلام الأميركاني) بوجهه المتطرف كان حاضراً بقوة لمحاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران منذ انتصار الثورة فيها، فسرعان ما اكتشف أنَّ الإيرانيين ينتمون إلى المذهب الشيعي، فاستدعى فقه الفتنة المذهبية لإصدار فتاوى التكفير الديني ضد إيران وشيطنة ثورتها وجمهوريتها، واستدعى ثقافة التخويف والكراهية عبر مصطلحات: الخطر الشيعي، والمشروع الصفوي، والتوسّع الفارسي، والحقد المجوسي.

وبذلك حمل التيار السلفي ومعه المتطرفون في الجانب الآخر إرث الصراع المذهبي الثقيل بين السُنة والشيعة بخلافاته العقدية والفقهية والسياسية وما نتج عنه من اتهامات بالبدعة والضلال والكفر. وحمل إرث الصراع التاريخي المرير بمظاهره العسكرية والفكرية والسياسية وما نتج عنه من تضخيم للذات الجمعية المذهبية، وتشويه لصورة الآخر المذهبي. وحمل إرث الصراع السياسي الممتد بمراحله الزمنية، لا سيما في الحقبة الصفوية العثمانية، وما نتج عنها من إبراز وتكبير مواضع الخلاف المُفرّقة، وتجاهل وتصغير نقاط الالتقاء الموحّدة.

إضافة إلى هذا الإرث الثقيل والمرير والممتد، أعاد التيار السلفي إحياء فقه عصر الجمود من دون تمييز بين النص كوحي إلهي ثابت، والتراث كاجتهاد بشري مُتغير، وأخذ بالحرفية النصية المُتحجرة معزولة عن سياق النصوص وروحها ومقاصدها، وأعاد استنساخ الفتاوى وأسقطها على الواقع المعاصر من دون تجديد، واختصر التراث الإسلامي في تراث المدرسة السلفية، وانتقى من فقه المدرسة السلفية ما يُشرعن الاستبداد ويوسّع التكفير ويؤصل دونية النساء وفقر البؤساء وجشع الأغنياء، وضيّق مفهوم (الأمة الإسلامية) في (أهل السنة والجماعة) لإخراج الشيعة وغيرهم ثم في (التيار السلفي) لإخراج الأشعرية وغيرهم، وظهرت في ثقافته مقولات تؤجج الفتنة والصراع داخل الأمة ومنها (أولوية قتال الرافضة والمرتدين على الكفار الصليبيين).

على هذه الخلفية التي وضع فكرتها (الإسلام الأميركاني)، ورسمها إرث الصراع المذهبي والتاريخي والسياسي، ولونها تراث عصر الجمود، جاء مأزق الخطاب السلفي تجاه الحرب الصهيوأميركية على إيران، فلم يتخذ موقفاً مؤيداً لإيران، كما لم يتخذ موقفاً ضدها فحام حول الحمى من دون الولوج فيه.

ولم يُعلن التضامن مع إيران كما لم يستنكر العدوان عليها واتخذ بين ذلك سبيلاً، فتوزّع موقف التيار السلفي إلى عشرات المواقف في اتجاهات شتى كلها متذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

من أهم هذه الاتجاهات التي اتخذت موقف الحياد بين طرفي الحرب فاختاروا السلامة والغنيمة بدعاء" اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين"، والتي اتخذت موقف الشماتة بإيران فاختاروا أنْ يكونوا مع المُخلّفين الفرحين بمقعدهم خلف سيد البيت الأبيض أو خلف الأغنام والإبل.

والتي اتخذت موقف انتظار النهاية مُستعينة بفقه الأولويات والموازنات في تحديد العدو الأخطر والأقل أو الأكثر خطورة ليفرح بانتصاره أو هزيمته في إسقاط مشوّه لتفسير سورة الروم على الواقع عندما تكون الحرب بين المسلمين وعدوهم، والأغرب أنْ تذهب بعض الآراء السلفية إلى أنَّ الحرب مجرد مسرحية مفتعلة لخداع (الأمة)، أو تضارب مصالح ومشاريع تستهدف (الأمة).

الخلاصة أنَّ مأزق الخطاب السلفي تجاه الحرب الصهيوأميركية على إيران بمواقفه المرتبكة والمُلتبسة ينبع من تناقضه مع موقف شعوب الأمة الإسلامية المؤيد لإيران وضد العدوان، وتناقضه مع الواقع الحقيقي بوجود حالة العداء والصراع والحرب بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحورها المقاوم وبين "إسرائيل" وأميركا ومشروعها الغربي الاستعماري، وتناقضه مع الدين الإسلامي وحكمه الشرعي بموجب وحدة الأمة والإخوة الإسلامية ونصرة المظلوم المعتدى عليه يفرض الوقوف والتضامن مع إيران... ولا يُمكن للتيار السلفي وغيره  أن يخرج من المأزق إلا بإنهاء التناقض مع الشعوب والواقع والأمة. 

*المصدر: وكالة شمس نيوز | shms.ps
اخبار فلسطين على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com