اخبار فلسطين

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

المعرفة والممارسة .. حوارٌ يصنع الخبرة

المعرفة والممارسة .. حوارٌ يصنع الخبرة

klyoum.com

قد يمتلك الإنسان معرفة واسعة، ويُحسن شرح الأفكار وتحليلها، لكنه يتعثر حين يصبح مطالباً بتحويلها إلى عمل. فالمعرفة تمنحنا تصوراً عن الأشياء، أما الممارسة فتضع هذا التصور أمام ظروفه الحقيقية، حيث تتداخل التفاصيل، وتنقص المعلومات، وتضيق الخيارات. وفي الحوار المتواصل بين ما نتعلمه وما نواجهه، تنمو الخبرة وتتطور قدرتنا على الفهم والحكم والتصرف.

غير أن امتلاك المعرفة قد يدفع صاحبه، في كثير من الأحيان، إلى وضع نفسه في موقع القيّم على أصحاب الخبرة والممارسة. يحاكم أعمالهم إلى ما تعلّمه، ويحدد لهم ما كان ينبغي فعله، ويفترض أن وضوح الحل في ذهنه دليل على سهولة تطبيقه. وقد يغيب عنه أن معارفه، مهما اتسعت، لا تحيط وحدها بمعطيات الواقع، وأن ما يراه أمامه جزء من مشهد أوسع تعاملوا معه وتحملوا مسؤولية قراراتهم فيه.

يرى القرار، لكنه قد لا يرى الظروف التي سبقته. ويرى النتيجة، من دون أن يعرف بالضرورة البدائل المتاحة أو القيود التي حكمت الاختيار. ولهذا قد يحسب أن ما غاب عن التنفيذ غاب عن فهم الممارس، بينما يكون الأخير قد أدركه ووازن بينه وبين اعتبارات أخرى. وقد يبدو الحل بسيطاً لمن ينظر من بعيد، لأن بعض التفاصيل المؤثرة لم تدخل في حسابه أصلاً.

يتضح ذلك في الإدارة، حين تبدو خطة ما محكمة على الورق، ثم يواجه تنفيذها تفاوتاً في قدرات العاملين، وحدوداً في الموارد، والتزامات يصعب تأجيلها. يستطيع من يراجع الخطة أن يصف صورتها المثلى، لكن المسؤول عن تنفيذها مطالب بتحديد ما يمكن إنجازه الآن، وما يحتاج إلى تدرج، وما يترتب على كل اختيار. وتصبح المراجعة أكثر فائدة حين تبدأ بفهم هذه المعطيات، ثم تبحث عن فرص التحسين.

وفي المقابل، لا تمنح الخبرة صاحبها حصانة من النقد. فقد تتحول الممارسة إلى عادة، ويصبح طول البقاء في العمل مبرراً للتمسك بأساليب فقدت جدواها. وكما يخطئ صاحب المعرفة حين يفترض إحاطته بما لم يمارسه، يخطئ صاحب الخبرة حين يظن أن ما اعتاده يغنيه عن التعلم. ويحتاج كلاهما إلى الاستعداد للمراجعة، حتى يظل قادراً على النمو.

من هنا تأتي ضرورة أن تنمو المعرفة والممارسة معاً عبر الزمن. يتعلم الإنسان ما يؤهله للبدء المسؤول، ثم يختبر فهمه في العمل، ويعود إلى التعلم بأسئلة كشفتها التجربة. ومع اتساع معرفته تتطور ممارسته، ومع اتساع ممارسته يصبح أكثر إدراكاً لما يحتاج إلى معرفته. فلا يؤجل العمل انتظاراً لإحاطة لن تكتمل، ولا يواصل العمل مكتفياً بما تعلمه في بداياته.

لكن مرور الزمن وحده لا يصنع هذا النضج. قد تتوالى سنوات العمل من دون أن تضيف إلى صاحبها إلا مزيداً من الألفة مع طريقة واحدة. وتتحول التجربة إلى خبرة حين يراجع الإنسان ما فعل، ويفهم أسباب نجاحه وإخفاقه، ويعدل اختياراته على ضوء ما تعلم. فقيمة السنوات تظهر فيما أضافته إلى حسن حكمه، وقدرته على التعامل مع المواقف الجديدة.

وحين يستمر الحوار بين المعرفة والممارسة، يصبح الإنسان أدق في السؤال وأهدأ في الحكم. يدرك أن لديه ما يقدمه، وأن لدى الآخرين ما يحتاج إلى فهمه. يستمع إلى معطيات الواقع قبل أن يصدر حكمه، ويستقبل الفكرة الجديدة قبل أن يرفضها بحجة التجربة. عندها يصبح النقد وسيلة لتطوير العمل، وتصبح الممارسة مصدراً لتجديد المعرفة.

إن الخبرة تنضج كلما وضعنا ما نعرفه موضع الاختبار، وأعدنا النظر في فهمنا على ضوء ما نعيشه. فالمعرفة تساعدنا على تحسين الممارسة، والممارسة تكشف لنا ما يحتاج إلى تعميق أو تصحيح في المعرفة. ومن هذا الحوار تتكون كفاءة تعرف كيف تفكر، وكيف تنفذ، وكيف تتعلم من نتائجها.

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار فلسطين على مدار الساعة