اخبار فلسطين

راديو بيت لحم ٢٠٠٠

سياسة

أخبار عاجلة

أخبار عاجلة

klyoum.com

بقلم:عيسى قراقع

كل يوم، وكل ساعة، بل وكل لحظة، تطل علينا أخبار عاجلة، أخبار لها أسنان حادة تقرضنا وتدمينا وتطحننا في نصوصها الصاخبة.

أتصفح الصحف اليومية والمواقع الإعلامية لأجد أننا سكان الأراضي المحتلة من رفح حتى جنين تحولنا إلى أخبار عاجلة: مداهمات واعتقالات جماعية، إعدامات ميدانية، اعتداءات مستمرة للمستوطنين على القرى والمزارعين ونهب الممتلكات، قصف وغارات وهدم منازل وتجريف اراضٍ وبناء وحدات استيطانية، إغلاق حواجز وطرق وتركيب بوابات حديدية، رضيع يتجمد من البرد في غزة، أسرى يستشهدون تعذيبا وجوعا واغتصابا في سجون الخزائن الحجرية، اقتحامات للأماكن الدينية وتجريف مخيمات اللاجئين وهدم مقرات الأونروا، إذلال متراكم ووقف المساعدات الغذائية في غزة، تصاعد الإرهاب اليهودي المدعوم رسميا وايديولوجيا، عناوين قصيرة متفرقة تبدو صغيرة ومنفردة، لكنها حين تجمع لا تشكل أخبارا، بل خريطة حرب كاملة.

هذه ليست حربا بالمعنى التقليدي، لا اعلان رسمي ولا ساعة صفر، لا صفارة انذار ولا بيان عسكري، ليست معركة فاصلة تنقل على الشاشات، إنها حرب من نوع أخر: حرب الاستنزاف اليومي، إنهاك المجتمع وتحطيمه ببطء وجعل الحياة مكلفة، الإبادة بالتقسيط، بحيث يتحول القهر والقمع من حدث استثنائي إلى إيقاع منتظم، ومن صدمة إلى عادة، ومن جريمة إلى خبر.

أخبار عاجلة، حرب شاملة تفكك إلى أخبار، وتجزأ كي لا ترى، فالعالم لا يرى الحرب الا حين تكون ذات ضجيج وأصوات عالية، أنه احتلال يمارس عنفا بنيويا مستمرا ضد الشعب الفلسطيني جغرافيا ونفسيا وجسديا وثقافيا، الفناء بالتدريج، وكأنه يقول لنا: ستموتون لكن ليس دفعة واحدة، ستنقرضون خبرا بعد خبر، صورة بعد صورة، حتى تصبحوا قادرين على العيش داخل الموت دون أن تصرخوا.

نعيش زمن الأخبار العاجلة، لم تعد الجريدة نافذة على العالم، صارت نعشا مفتوحا، كل خبر عاجل هو تمرين يومي على الموت، قتل هنا، قصف هناك، عائلة مسحت من الوجود، خيام غرقت في المياه، لا أدوية ولا وقود ولا غذاء، تتغير العناوين وتنتشر في كافة الاتجاهات، لكن النبرة واحدة والحبر أسود، نعي بلا اسم، وجثث اختفت تحت الأنقاض، جنازة بلا مشيعين وقيامة لا تأتي.

نقرأ ثم نقرأ، لا لنفهم، بل لنتعود، فالاعتياد هو أخطر أشكال الهزيمة، العجز، الصمت، الشلل، تفقد الصدمة قدرتها على الصراخ، يتحول الموت إلى روتين، والكارثة إلى رقم، والإنسان إلى خبر، كأننا نعيش في مختبرات صياغة الشعوب التي مارسته الدول الاستعمارية في الجزائر وفيتنام وجنوب أفريقيا سابقا وفي المحميات الامريكية، حيث لا يطلب منك أن تنكر الظلم وانما أن تراه كل يوم دون أن تتحول رؤيتك إلى قوة سياسية، يسمح لك بالغضب اللفظي، بالحزن الرقمي، بالاستنكار المعلب، لكن يحظر عليك أن تتجاوز اللغة إلى المعنى والفعل، أو أن توقظ الذاكرة.

أخبار عاجلة، هنا في البيت والدماغ، في الشارع والمدرسة، في الكتابة والتفكير، الأخبار تطاردنا ونحن مادتها، اصبحنا في الماكنة، اصبحنا جماعات الأخبار العاجلة، محللين، منتظرين معلقين، أنه القتل الإداري، أن تدار حياتك في لولب الأخبار المسننة، وبطريقة تجعل الموت نتيجة منطقية لا جريمة، والاحتلال لا يريدك ميتا فقط، ولا حيا فقط، يريدك معلقا، تنتظر إعادة الإعمار في غزة، تنتظر الراتب اخر الشهر، تنتظر المرور عن عن هذا الحاجز أو ذاك، تنتظر الحل السياسي، تنتظر المجتمع الدولي، تنتظر الله، بينما الزمن يعمل ضدك.

أخبار عاجلة تفتت الجريمة إلى تفاصيل صغيرة، تحويل الإبادة إلى أرقام، والجريدة الى أرشيف للخراب، والإنسان إلى كتلة باردة مصهورة الوعي بلا إرادة، فالناس ليسوا غائبين جسديا، هم في بيوتهم، في هواتفهم، لكنهم على مستوى التاريخ معطلون ومجمدون، إنه العيش المؤجل، أن يسمح لك بالبقاء لكن لا يسمح لك بالحياة.

أخبار عاجلة، نسبة الطلاق في فلسطين 70 بالمائة، ونسبة البطالة 46 بالمائة، تجريد الفرد من السيطرة على مصيره، وهنا الاحتلال يمارس نظاما لإدارة الاحباط، إبادة اجتماعية صامتة، وتحويل المجتمع الفلسطيني إلى حالة طوارئ دائمة.

أخبار عاجلة، القيادات تستنكر وتشجب الانتهاكات الاسرائيلية المتصاعدة، تسقط السياسة في اللغة، توثيق الانتهاكات بدل كسرها، انتظار التدخل بدل صناعة المبادرة، وهنا تعاد صياغة الشعب لا كفاعل سياسي بل كجسم جريح يحتاج إلى رعاية لا تحررا، المقهور يتفرج على قهره، متاهة، لا سلطة تحرر ولا حركة مقاومة، إنه فراغ السيادة.

أخبار عاجلة، كل القيادات والتنظيمات والإعلاميين والمفكرين يستهلكون الأخبار، يناقشون ويحللون ويديرون الأخبار والإدراك كشهود محترفين، يشاركون في إدارة الأزمة الوجودية، خطابات بلا مشىروع اخلاقي تحرري، بلا رؤيا جماعية، بيانات بلا فعل، وسياسة تكيف الناس مع الواقع بدل أن تغيره، البيان لم يعد وسيلة للتعبئة، بل صار بديلا لغويا عن العمل وتعويضا نفسيا عن العجز، نشارك الخبر كي نقنع أنفسنا أننا ما زلنا احياء، نكتب ونكتب، ما اثقل الأخبار كأنها قنابل، الدبابة أمام البيت، وعي غائب وقيادة غائبة وأخبار عاجلة.

*المصدر: راديو بيت لحم ٢٠٠٠ | rb2000.ps
اخبار فلسطين على مدار الساعة