خاص الهديل: هدنة أم كمين: ماذا يريد ترامب؟؟
klyoum.com
خاص الهديل….
بقلم: ناصر شرارة
كل فصول مسار الحرب على إيران، يظل فهمها مرهون بإمكانية تقديم إجابة شافية عن سؤال واحد، ولكنه متغير ومستمر، وهو ماذا يقصد بالضبط دونالد ترامب؟؟.
هل فعلاً يريد التفاوض أم أنه يخادع؟؟، هل يريد شيئاً آخر في المنطقة مختلف عن ما يريده نتنياهو أم أنهما وجهان لعملة واحدة؟؟، هل ترامب الذي يتكلم هو نفسه؛ أم أنه مجرد صدى لصوت عميق لا يراه العالم يحكم البيت الأبيض؟؟.
منذ وصوله للبيت الأبيض في ولايته الأولى؛ أصبح له بالسياسة سمعة المتنبي بالشعر: مالئ الدنيا وشاغل الناس!!.
والعالم منقسم حول ما إذا كان ترامب ظاهرة سياسية لها جذوز، أم أنه عاصفة سياسية ستنتهي بعد أن تحطم الكثير من القوانين التي تدير توازنات العالم..
حتى الآن هناك العديد من النظريات التي تبلورت بهدف إيجاد تعريف سياسي مقنع، يفسر للعالم بشكل منطقي من هو ترامب؛ وضمن أي إطار يفكر ويتصرف ويتقلب في مواقفه؟؟.
أول من تصدى للإجابة عن هذا السؤال هو المفكر السياسي فرنسيس فوكوياما. وكان لافتاً هنا أن فوكوياما الذي يعلق بالعادة على الأحداث التاريخية وليس أقل من ذلك؛ اعتبر أن انتخاب ترامب للمرة الثانية هو حدث يستحق أن يعلق عليه؛ ما أوحى لمراقبين أن فوكوياما يعتبر انتخاب ترامب حدثاً ليس فقط سياسياً مهماً، بل حدثاً يعبر عن تغير تاريخي وعميق يحدث داخل رحلة العالم نحو الغد؛ ويؤدي إلى تغيير المسار الراهن!!.
اعتبر فوكوياما أن الأميركيين انتخبوا ترامب هذه المرة لأنهم يعرفونه، وذلك على عكس انتخابهم له في المرة الأولى التي تعتبر فلتة شوط.
وسبب انتخابه يعود لكون المجتمع الرأسمالي بدأ منذ ثمانينات القرن الماضي يعاني من بروز أنواع جديدة من الليبراليات يقودها اليسار في الحزب الديموقراطي وأحزاب أخرى في أوروبا تعمل على تغيير قيم المجتمع الغربي المحافظ القائمة على مبادئ الليبرالية الكلاسيكية التي تحترم العائلة والكنيسة والفطرة الإنسانية، الخ..
وبعد فوكاياما برزت نظريات أخرى تقول ان انتخاب ترامب جاء نتيجة إفادته من الانقسام الكبير داخل الحزب الديموقراطي بين جيل الشباب والجيل القديم..
وهناك من عزا سبب الصعود المفاجئ لنجم ترامب، إلى أن الأميركيين بنسبة كبيرة منهم سئموا من الطبقة السياسية الحاكمة في أميركا، وباتوا يريدون شخصية غير تقليدية تقودهم من خارج أفكار ونمطية الصندوق!!.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه النظريات وغيرها، حاولت الإجابة عن سؤال لماذا انتخب الأميركيون شخص ترامب(؟؟)؛ ولكن السؤال الثاني الذي صار الأهم بعد انتخابه، هو "من هو ترامب"؟؟؛ واللافت هنا أن سياساته بعد انتخابه لم تكشف عن سر هويته السياسية، بل زادت الغموض حولها وحوله، غموضاً إضافياً..
.. ومع ذلك، وتحت كثافة غير مسبوقة من الغموض، ظهرت عشرات النظريات التي حاولت أن تخبر العالم عن كنه المحدد الفكري أو السلوكي السياسي الذي يحرك ترامب المتصف بأنه "هرم صغير مفرط الحركة".
أول هذه النظريات قالت ان ترامب يتبع عقيدة "أنا المجنون"، ولفتت إلى أن هذه العقيدة اتبعها نيكسون في تعامله مع الدول الحليفة للاتحاد السوفياتي آنذاك. وخلاصة عقيدة "أنا المجنون" هي أن يوحي رئيس الولايات المتحدة لخصومه وحلفائه على السواء، انه رجل يجب مداراته وعدم استفزازه لأنه مجنون، ولا يمكن توقع ردة فعله وما هي آثار ردة فعله إذا غضب. باختصار عقيدة "أنا المجنون" تعني فعلياً، أن رئيس أقوى دولة في العالم ليس مجنوناً ولكنه يوحي للعالم بأنه مجنون كتكتيك سياسي. والبعض وصفها بأنها "نظرية إخافة العالم من رئيس الولايات المتحدة الأميركية". والواقع أن ترامب يمارس بخصوص عدة ملفات، الكثير من تطبيقات عقيدة "أنا المجنون"؛ ولكن بالمحصلة لا يمكن القول ان هذه العقيدة تشرح كل البعد السلوكي لشخصية ترامب.
أحدث نظرية عنه، تقول ان ترامب يتبع سلوكاً سياسياً ينطبق عليه وصف مقولة شهيرة تقول "ان أفضل طريقة للتضليل هي قول الحقيقة كما هي"!!.
ومن وجهة نظر القائلين بهذه النظرية، فإن ترامب يتبع هذه الوصفة؛ فهو يقول الحقيقة الفجة بخصوص ما يفكر به، ولكنه لا يقصد تنفيذ مضمون الحقيقة التي يقولها، بل هو يريد رمي الآخرين بثقل الحقيقة التي يعرفونها ولكنهم يخشون الإفصاح عنها؛ وهدفه من ذلك هو إثارة هلعهم وإرباكهم، حتى يبدأ معهم من نقطة إرباكهم مسار تفاوضه معهم، وذلك تحت شعار سلام القوة.
الكثيرون بدأوا الآن يعتقدون أن ترامب يمارس الآن مع يران، أوضح تمرين عملي عن نظريته المسماة "سلام القوة"؛ فهو يدمج بين أقصى ممارسات الحرب بأقصى شروط وقف الحرب: آف ٣٥ بدل البندقية التقليدية، وصك الاستسلام بدل غصن الزيتون..
ويخوض ترامب الحرب على جولات يجمع بينها سياق تصاعدي واحد، وهدفه من ذلك أن يحصل بسرعة نسبية على توقيع استسلام العدو: فهو يريد هدن ضاغطة صغيرة متتالية؛ تفصل بين جولات قتال عنيفة قصيرة متتالية، تتخللها تقديم عروض بشروط أميركية خالصة لوقف كل الحرب.
وتقسيط الحرب لجولات قتال، بدل أن تكون جولة واحدة متصلة؛ وتقديم صك الاستسلام للخصم على دفعات؛ وبأسلوب العلاج الطبي المتمرحل الذي يعطي المضاد الحيوي على دفعات متصاعدة؛ الواقع أن كل هذه التكتيكات هدفها جعل الحرب الكبرى مجرد معارك متتالية لها نتائج اقتصادية وسياسية أقل حدة..