النقد الأدبي في الجاهلية!
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
بعد التحقيق معها..إليكم أول تعليق من الفنانة الشهيرة!الأدب الانشائي والايجادي الذي احاول الركون اليه، ولو منطلقا لفلسفات اعمق، يستدعي الأدب الوصفي او النقد الأدبي الذي يعبر عما يثيره الأدب الانشائي في النفس من خواطر وأحكام وعواطف تتلون بألوان الإعجاب او الإنكار الهني البناء والسخرية. ولما كان للجاهلية أدب يعتد به كان لا بد من ان يظهر معه نوع من النقد يوافق طبيعة الجاهليين ويكون فطريا لا يعتمد اصولاً محددة ولا طرائق معقدة، بل ينقاد لإحساس مجمل بقيمة الشعر او بمكانة الشعراء. وجل قوانين الجاهليين النقدية ان ياخذوا الشعر منقطعا عن المؤثرات المختلفة، بل منقطعا عن شخصية الشاعر ومذهبه الأدبي، ومنقطعا عن سائر شعره. والقيمة الشعرية ترتكز في عرفهم على الصياغة الخارجية والمعاني الجزئية. فيكون النظم محكما او غير محكم، والألفاظ مصقولة منسجمة او معقدة نافرة، والقافية جارية على المعهود من السنن الشعرية او بخلاف ذلك، ويكون المعنى مردودا إذ دخله غلو كثير او أسند إلى غير ما يسند اليه (استنوق الجمل)، ومقبولا إذ جارى الطبيعة وبلغ إلى القوة والبراعة.
وأما مكانة الشعراء فكان النقد الأدبي الجاهلي ينوه بها إما بالمقارنة النسبية إذا قوبل الشاعر ببعض زملائه ففضل عليهم كما فضل النابغة الأعشى على الخنساء والخنساء على حسان، وإما بالتفضيل المطلق والحكم بالتفوق، فيكون الشاعر أشعر العرب في قصيدة له، او بيت، او معنى.
وينحصر عادة أسلوب الجاهليين النقدي في عبارات وجيزة، وأحكام قاطعة، قلما تعتمد على الحجة والاستدلال. وقد يلقبون الشعراء والقصائد بالقاب مبالغ فيها ،إفصاحا عن منزلة الشاعر وقيمة القصائد، كما لقبوا قصيدة لسويد بن أبي كاهل ب»اليتيمة» ومطلعها:
بسطت رابعة الحبل لنا
فوصلنا الحبل منها ما اتسع
وليس لهذا النقد من غايات علمية، انما كان الناقد يرمي إلى الإعراب عن تأثر نفسي، أو إلى الإشادة بذكر الأصدقاء والأحلاف والنيل من الخصوم. والنقاد في العهد الجاهلي هم عادة الشعراء انفسهم الذين قامت بهم النهضة الجاهلية. ولما كان النقد مبنيا على الإحساس والذوق الفني الفطريّ والشخصي، بان سطحيا في مجمله، لا يخلو من اوهام واندفاع مع الأثرة، وان بان في اكثره مصيبا لما في طبيعة البدوي من مؤهلات لإدراك الجمال الادبي.
بقي النقد الادبي في العهد الراشدي والأموي معتمدا على الإحساس الفطريّ، وهذا، في ذاته، منطلق أساسي، ثم أخذ في التطور وجنح إلى شيء من الدقة اللازمة الملزمة ، وحسنا حصل إذ حاول النقاد تحديد بعض خصائص الصياغة والمعاني. وأعتمد في العهد العباسي على تراث العصور السابقة وعلى ثروة الحركة الجديدة، منبعثا من نزعة اللغويين ونزعة العلماء والمتأثرين بالمعارف الأجنبية. وعندي انه ينبغي للعلوم ولا سيما منها الألسنية الا تبالغ في نزعتها العلموية التي تفقد قيمة الشعر وتبقيه، ضمن إطار فلسفات الخبر وبعض القيم، مدرسيا مقلوبا بعيدا عن فلسفات الكائن والكينونة البشريين.
*استاذ في المعهد العالي للدكتوراه