في رحيل أحمد قعبور.. القلق المزمن
klyoum.com
ما ذكر الفنان والموسيقار أحمد قعبور، إلا أصغت الآذان، إلى ما قال وما سيقول. عزف دائم أم عزيف دائم، أم غصن مدوزن على ألحان الربات الآلهات، يوقعن على الأثير، شجن الزمان وآهاته، ويجرين ثرثرات الينابيع بين الصخور، فتنهض على قلق من أثقالها، تهتز للريح التي تحملها إليه لعله، يملأ الكاسات لها، طربا ودمعا وحزنا.
ودعنا أحمد قعبور شاعر البرهة الساخنة. طوى أثوابه كلها. نفضها بين يدينا. صنع منها لبنة تحت مخدتنا. ووضعها لعيوننا أرغفة ساخنة. أحمد قعبور، كأنه خبزنا اليومي كان. منذ تعرفنا إليه قبل خمسين عاما.
ما هذا الساحر، إذا أنشد. إذا عزف. إذا غنى. يفك طلاسم الأكوان كلها. يقدمها لوحات لوحات. فتنهض المشاهد في أسماعنا.
لم يكن أحمد قعبور عازف البرهة الراهنة. لم يكن إسما على علم. لم يكن لحنا. كان موجة غاضبة، إذا ما زأر البحر زئيره. يرده طوع بنانين، على عود. على كمنجا. على ريح جوقة خلفه، تصغي أم تغني. أحمد قعبور هو لحنها. وهو بها أدرى.
هسيس دمه، صوته المبحوح. صوته المذبوح وطنا مسجى. أخي أحمد لمن تركت أعوادك. لمن تركت راياتك. لمن تركت الجنوب. لمن تركت الحدود تسهر وحدها على قبرنا.
على عجل. على أجل. كنت لحنا لن يغنى بعد. ذهب الذين يغنوننا. ذهب الذين يغمسون الدمع بالخبز. ذهب الذين نادوا علينا. كنت وحدك. كنت ذلك المعنى..
أحمد قعبور وطن الفجيعة، إن تجرد. وإن أحنى. ظهر قوس. رمية رام. والأعداء حوالينا. مضيت ونحن أحوج ما نكون إليك. تركت روحك تخفق بيننا. تعلمنا كيف نعشق الأوطان. كيف نجعلها أما وأبا.
(*)أستاذ في الجامعة اللبنانية