بين فلسفة الكائن وعلم الخبر
klyoum.com
ليست الحرية عند العرب مستندة، عموما، إلى فلسفة الكائن أو الاونطولوجيا، بل إلى علم خبر وحدث قد يجمع بين أفراد أو جماعات.
ليست هذه الحرية عندنا مذهبا عقليا رياضيا متماسكا كما عبّر عنه ليبنتز ومن قبله أرسطو، أو مذهبا مغرقا في مثاليته، كما طلع به علينا الفيلسوف الألماني كنت أو هيغل وأشياعهما، أو مذهبا وجوديا، كما نادى به الفيلسوفان كيركغارد وسارتر.
الحرية في قوميتنا شعور ذاتي أو جماعي غير محدد. وكثيرا ما أبعدت شعوبنا عن مواطن المسؤولية الشخصية أو الجماعية وقادتهم الى العزلة وألوان الضياع.
ولشدّ ما تأخذ هذه الحرية شكل صراع عنيف بين قوى داخلية، أو في وجه قوى خارجية باغية تأبى -دفاعا عن مصالحها- إلّا أن تمارس طاقتها البشرية واللوجستية في السيطرة حينا، وفي التآمر أحيانا. ومسؤوليتنا في هذه الحال تعني مقاومة هادئة هادية لهذه القوى، وعدم الخضوع لها خضوعا أعمى، ومن ثم الانعتاق من ربقتها. ولا يتحقق تقدّمنا وازدهارنا في معزل عن الإصلاح الجذري الذي يحمل مجتمعنا على التطوّر والتحرّر من كل ما علق به من رواسب مادية ومعنوية متناقلة على غير طائل.
على القيّمين على العقل اللبناني من وزراء بلا وزرات أو أوزار، العمل لتوجيه النشء شطر احترام الذات أولا، ليتاح لدولتنا أن تستثمر الكائن في طاقاته المبدعة وتمكّنه من الإحساس بحريته.
لن تتوفر لنا حرية الإفادة من تجارب الأفراد وتفاعل قواهم المبدعة وحاجات المجتمع، ما لم يتمتع الفرد بل الشخص عندنا بحريته المسؤولة ويمارس هذه الحرية بالاستناد إلى فلسفات كائن بشري وليس إلى مجرد روايات وأخبار وتقليد أعمى.
ان ما نقرأه أو نسمعه ليل نهار من تشامخ وتناحر دوري مع الإصرار الدائم على أسطورة الأعجوبة الوطنية أو الإنجازات الوهمية، لم تفضي بنا إلّا إلى مزيد من الفراغ الروحي والشعور المتفاقم بأن الموت والمعاناة ركنا حياتنا يتأكلانها لا محالة في سن مبكرة.
الجبناء لا يصنعون الحرية، والضعفاء لا يخلقون الكرامة البشرية.
فإلى بعض المسؤولين العاطلين من العمل، على أنهم، لو ادركوا أو شاءوا، لأدركوا أنهم حجر الزاوية في بناء الدولة، أوجّه وقفة وعي وضمير. فالعلم في الطبيعة والكتب والمختبر، أما المعرفة (في الدماغ البشري) فهي الوعي بعينه، يليه الضمير الذي هو مبحث أخلاقي يلتحم بالمبحث الوطني. وزاراتكم سيادية في الحالة اللبنانية على الخصوص. الدولة المنشودة تبدأ بكم، لأن المطلوب بدايات خلق جديد يبدأ كما لدى بارئ الأكوان بأعجوبة حب عميم.
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه